في العتمة نحتاج جميعاً إلى وميض عود ثقاب يضيء ما هو مطفأ في دواخلنا بحكم الملل والتكرار والفوضى. ليست هذه العبارة حكمة صينية قديمة، كما يتهيأ لنا للوهلة الأولى. بإمكاننا تفكيك الفكرة وإعادة بنائها على نحوٍ آخر، كما فعل المسرحي البولندي إيرينيوش ايريدينسكي (1939-1985) في «النافذة». نص قصير ومحكم ومثقل بالإحالات التي تكاد لا تُرى لفرط عاديتها. من جهته وجد مجد فضة ضالته في إعادة بناء هذا النص، في نسخة سورية (دراماتورجيا وسيم الشرقي)، من دون هتافات، خلافاً لمفردات غزت الخشبة المحلية أخيراً. وهو بذلك يؤكد على الخط الذي انتهجه في تجربته الإخراجية الأولى، عندما لجأ إلى نص إشكالي، كانت كتبته نتالي ساروت بعنوان «من أجل نعم، من أجل لا».
اشتغال على تأصيل جماليات «مسرح الحجرة»

هذه المرّة يبدو الرهان أكثر صعوبة، ذلك أن عرض «النافذة» الذي تستضيفه هذه الأيام، صالة «مسرح القباني» في دمشق، بعد عرضه خلال الموسم الماضي في «المعهد العالي للفنون المسرحية»، يتكئ في نسج عناصره على خيوط واهية تكاد لا تُرى، ملقياً صنارته في عمق مياه الحياة اليومية لزوجين شابين تعطلت بينهما اللغة المشتركة. الزوج (مازن الجبة) لا يغادر مقعده أمام نافذة تطل على الجهة المقابلة لبيته، ويبدو ذاهلاً عمّا حوله، ليقينه أن الوميض الذي رآه لثوانٍ، يبزغ من النافذة المقابلة سيتكرّر ثانية. هذا الأمل الغامض بقدر ما يبدو يقيناً لديه، تراه الزوجة (جفرا يونس) تهديداً لعالمها الداخلي، وإشارة إلى احتضار علاقتها بزوجها. تلجأ إلى مواجهة شرسة لإنقاذ هذه العلاقة، فتعمل على جبهات مختلفة بقصد ترميم ما انكسر بينهما، سواء عن طريق الإغواء الجسدي، أو التهديد بأنها ستفضح حالته المريبة لدى زملائه في العمل، أو إحالته إلى مستشفى للأمراض العقلية، أو خيانته علناً، بنبرة متصاعدة تصل إلى حدود الانفجار.
هكذا سيبقى الزوج مسمّراً إلى النافذة، من دون أن يحرّك ساكناً، فيما تحاول الزوجة أن تجرّب وسائل أخرى لإعادته إلى «الحظيرة» باستعادة شريط علاقتهما الحميمة وكيف تهاوت تدريجاً كمحصلة لإهماله لها، بسبب ذلك الوميض اللعين من تلك النافذة المجهولة. إثارة الفوضى في المكان لم تزعزع قناعته لحظة واحدة بأنه يهدر وقتاً ضائعاً، وفقاً لاتهامات شريكته التي دخلت هي الأخرى في حالة من الضياع والوحدة واللاطمأنينة. نقطة الخلاف بينهما تتوضّح بغرقها في موجة استهلاكية ضارية، وحاجتها إلى ما يؤنس وحدتها، من دون أن تنتبه إلى أنها ضحية هذه التحولات والانخراط ببريقها الزائف، فيما كان الزوج يتطلّع إلى وميضٍ آخر، سيأتي من وراء الجدران المعتمة التي تغلّف حياتهما، فهو كان يرى أن ازدياد نسبة العتمة في الداخل ستتكشّف عن زمن آخر أكثر روحانية.
بعد أسبوع من الانتظار، سيبزغ الضوء حقاً، من النافذة، لتقع هذه المرّة الزوجة بشغف الضوء، فيما يتحرّر الزوج من صمته ومخاوفه وغيبوبته، بقوة الأمل، في الخروج من متاهة هذه العتمة الطويلة، ولعبة عض الأصابع في الصراع مع زمنٍ متوحش، وقاسٍ، وأعمى.
اشتغل مجد فضة وممثلاه برهافة على تأصيل جماليات «مسرح الحجرة» بارتجالات تقع على حافة الهاوية في تحرير الشفوي العادي من هشاشته البلاغية، والتحليق به عالياً، نحو منطقة مكشوفة لا تحتمل أي انزلاقات مباغتة، أو حفرٍ في الطريق، أو أقنعة، بعيداً عن مركز «الحدث؟». وإذا بالحيّز الضيّق والمعتم والمهمل، ينفتح على منمنمات مشعّة، كنّا نظنّها خيوطاً عنكبوتية لا تسند الأرواح التالفة في مواجهتها لقسوة العيش، وحتى متطلبات الفرجة المسرحية نفسها. هناك إذاً، وسط هذا الحطام، ورشة مسرحية سورية شابة، تفتش عن خشبة تشبهها، وفرجة مضادة، تأتي من الأزقة الخلفيّة، رغم ملامستها للأسئلة الراهنة بعمق، من دون شعارات، أو صراخ، أو شحنة تعبوية.

«النافذة»: السادسة مساء حتى 2 حزيران (يونيو) ــ «مسرح القباني»، دمشق