بابلو إسكوبار (1949 ـــ 1993). رجل أكبر من الحياة كلها. كانت «نيتفليكس» الأميركية ــ أكبر شبكة أفلام على الإنترنت في العالم ــ قد أنتجت عنه موسماً من عشر حلقات، أُطلق في آب (أغسطس) الماضي من بطولة النجم البرازيلي المتألق فاغنر مورا. غطى العمل ١٥ عاماً من حياة «القديس بابلو» ــ كما يسمّيه فقراء ميديلين ــ وأكبر تاجر مخدرات في تاريخ العالم وفق الرواية الأميركية. رغم تردد أنباء عن تعثر الموسم الثاني، إلا أنّ «نيفليكس» سربت أخيراً ما مفاده أن التصوير مستمر، والموسم الثاني سيكون جاهزاً للعرض في آب (أغسطس) المقبل. ومن المفترض أن يغطي هذا الموسم آخر ١٨ شهراً من حياة إسكوبار المهنية، وينتهي بمقتله الدراماتيكي في نهاية ١٩٩٣. النجاح المذهل للعمل - بناء على قصة شديدة اللمعان لسيرة إسكوبار، وتألق النجم مورا في أداء الشخصية - قد يدفع «نيتفليكس» إلى إنتاج موسم ثالث أخير يتابع سرد مرحلة ما بعد إسكوبار، ودائماً وفق المنظور الأميركي.

من هو بابلو إسكوبار إذن؟
وفق رواية الإمبراطورية الأميركية ــ الغالبة في معظم العالم الذي يستقي معلوماته من هوليوود ومنظومة الإعلام الأميركي الموجه - فإنه زعيم أكبر كارتيلات المخدرات في كولومبيا، كان يسيطر على ٨٠٪ من تجارة الكوكايين في العالم. شن حرباً ضروساً على الحكومة الكولومبية، وكان مسوؤلاً عن مقتل عشرات إن لم يكن مئات الأشخاص من رجال شرطة وسياسيين وقضاة وصحافيين، وأيضاً مهربين منافسين. في حياته وفي مماته، كان أقرب إلى أسطورة أكثر منه مجرد زعيم عصابة يعتاش من العنف والقتل والأعمال غير المشروعة، فقيل عنه مثلاً إنّه كان ينفق ٢٥٠٠ دولار شهرياً لشراء الأربطة المطاطية اللازمة لشدّ الكميات الهائلة من الأوراق النقدية الموردة لحسابه، وكان يلغي من دفاتره ما معدله ١٠٪ شهرياً بدل النقود السائلة التي كانت تأكلها الفئران من جبال النقد التي يحتفظ بها في المخازن. وضعته مجلة «فورتشن» في قائمة أغنى أغنياء العالم لست سنوات متتالية حتى مقتله، وقدّرت ثروته دائماً بأنها مليارات الدولارات.
لكن إذا قدر لك الوصول إلى كولومبيا وزرت الحي المعروف بـ «باريو بابلو إسكوبار» في ميديلين، وسألت أحد سكان الحي عنه، لا تستغرب أن تسمع قصة مختلفة تماماً. أنت مبدئياً في حي بناه إسكوبار بالكامل ويقطنه اليوم أكثر من ١٣٠٠٠ نسمة كانوا قبل ذلك يسكنون مكب نفايات المدينة. انتشلهم بابلو من يأسهم وفقرهم، وأعطاهم بيوتاً يأوون إليها هم وأولادهم من دون مقابل. بنى إسكوبار عشرات المدارس، وأنار الملاعب الشعبية، وقدم المساعدات المالية للآلاف من المعدمين، حتى إنّ مجلة «سيمانا» الواسعة الانتشار في كولومبيا، أطلقت عليه عام ١٩٨٣ لقب «روبن هود كولومبيا». بل إن سيدة كبيرة في السن من ميديلين تقول عنه في برنامج وثائقي وعيناها تدمعان أنّها تصلي لذكراه كل ليلة كقديس شفيع، وتدعوه بـ «زوجي بابلو» لأنه كان الرجل الوحيد في حياتها ــ رغم تعدد أزواجها - الذي أنفق عليها من ماله.
سرد الإمبراطورية يتقاطع إذن مع سرد المهمشين. فأين الحقيقة؟ التاريخ يقول إنّ سرد المنتصر وسرد المهزوم - إن بقي هذا الأخير على قيد الوجود أصلاً - كلاهما يقوم على نقل القصة بالاعتماد على تضخيم مقاطع حقيقية أو أسطورية منتقاة وإهمال أخرى. الحكومة الكولومبية ـــ بوصفها ذراع الإمبراطورية ومن ورائها ماكينة الإعلام الأميركي الضخمة ـــ تشيطن الرجل، وتضخّم جرائمه، وتركز على جوانب القسوة والصلف في شخصيته ليتوافق ذلك مع حاجات أجندة المشروع الأميركي في تلك المرحلة، بينما يراه الفقراء والمهمشون بطلاً ثورياً وزعيماً شجاعاً يتجرأ وحيداً على مواجهة سلطة عميلة فاسدة أرهقتهم في حياتهم السياسية والاجتماعية.
البحث المعمق في المرحلة التاريخية التي نشأ فيها بابلو، ومن ثم صعوده وسقوطه، قد يساعدنا قليلاً في الخروج من السرديات المحكمة للطرفين، وبناء تصوّر أدق ربما عن الرجل التاريخي. فكولومبيا بلاد عبث، فيها العنف والحروب الأهلية والقتل السهل منذ أكثر من مئة سنة، مما أنشأ في المخيال الشعبي مكاناً لشخصية رجل العصابات النبيل: البطل الذي يدافع عن مجموعته، ويقتص من الأثرياء الفاسدين وأتباع الحزب الآخر. قبل ثلاث سنوات من مولد بابلو في عام ١٩٤٩، حصلت انتخابات رئاسية في البلاد انتهت بمأساة تامة بعدما اغتيل المرشح الليبرالي، مما دشّن فترة سوداء من القتل العشوائي والعنف المجاني استمرت عشرين عاماً، ولقي فيها عشرات الآلاف من السكان مصرعهم، حتى أطلق على كل هذه المرحلة من تاريخ البلاد «مرحلة العنف» (لا فيولانثيا). كبر بابلو في هذه الأجواء، وشهد بعينيه محاولة الرعاع قتل أمه ـ معلمة المدرسة ـ وعائلته كلها، لأن أمه كانت من مؤيدي حزب آخر غير حزب أهالي طلبة المدرسة. لم يكن ممكناً لشاب صغير أن ينجو - دعك من أن يلمع نجمه - إذا لم يكن قادراً على ممارسة العنف ومواجهته. خراب البلاد والخلافات السياسية المستمرة أفقرا البشر، وشجعا على قيام حركات شيوعية ويسارية تناضل باسم الطبقات المسحوقة توحدت الأحزاب الكبرى في النهاية لمواجهتها، بالتعاون بالطبع مع السلطات الأميركية التي كانت تخشى في ذروة الحرب الباردة من تحول الحديقة الخلفية لواشنطن إلى كوبا مزعجة أخرى.
في هذه المواجهة، لم يعد العنف مجرد وسيلة للإلغاء فحسب، بل شكلاً من أشكال الحرب النفسية ضد الآخر. أجواء الفلتان الأمني، سهّلت المجال لتجارة التهريب والأعمال غير المشروعة، وكانت مدينة التعدين المعزولة ميديلين مثالية لتنظيم تجارة الماريوانا والكوكايين بين تشيلي (المنتج الأكبر) والولايات المتحدة (السوق الأكبر). في لحظة تاريخية ما، تغيرت أقدار صناعة التهريب ومعها قدر بابلو الذي كان قد بدأ حياته المهنية في عصابات سرقة السيارات والتهريب، وأظهر فيهما ذكاءً حاداً وجرأة غير مسبوقة. في حوالى عام ١٩٧٣، قضى الجنرال بينوشيه على صناعة المخدرات التشيلية بالعنف. ترافق ذلك مع صعود متسارع لنجم الكوكايين في الأوساط الاجتماعية في الولايات المتحدة، ما أتاح لرجل بألمعية بابلو أن يقتنص الفرصة ويرث دور المنتج الأكبر. دفع به ذلك إلى أقصى مستويات الثراء التي يمكن تخيلها. لم تمانع النخبة الكولومبية الحاكمة من توسع أنشطة بابلو، وأفادت كل البلاد بأشكال مختلفة من تدفق الدولارات الأميركية عليها، وأنفق بابلو الملايين على المشاريع الاجتماعية والثقافية والرياضية والتعليمية، بل انتُخب بشعبية جارفة إلى الكونغرس الكولومبي، وتحالفت معه الكنيسة الكاثوليكية بصفته المحسن الأكبر في البلاد، وأصبح رجال العصابات في عهده نوعاً من فولكلور شعبي مقبول.

بمقتل بابلو اسكوبار، أصبح سهلاً محاصرة الحركات اليسارية وتصفيتها بالحديد والنار

لم تكن آفة المخدرات تمثل أي أولوية للسلطات الأميركية في تعاملها مع كولومبيا طوال عقود، وإن وصل الاستهلاك والجريمة المرتبطة به في شوارع الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة في عهد الرئيس ريغان. نقطة التحول حصلت في شهر حزيران (يونيو) عام ١٩٨٣، عندما أصدرت المخابرات المركزية الأميركية تقريراً سرياً حذرت فيه الإدارة الأميركية من أن الحركات الشيوعية الثائرة في الريف الكولومبي قد طورت علاقات قوية مع صناعة تهريب المخدرات، إذ توفّر لعمليات التهريب الحماية وتشتري بالأموال التي تحصل عليها مقابل ذلك سلاحاً وعتاداً. أمر يشكل - وفق تقييم الاستخبارات - خطراً محدقاً بمصالح الولايات المتحدة القومية، فلا بد من إزالته مهما كان الثمن. وجدت إدارة الرئيس ريغان في بابلو الرمز الذي تحتاجه لشيطنة تجارة المخدرات الكولومبية، فبدأت حملة منسقة في أبواق إعلامها الواسعة الانتشار لإظهار هذا الشيطان بأسوأ ما يمكن أن يكونه الشيطان: الثراء الخرافي، العنف غير المبرر والخطر على الأطفال في أميركا. حتى نانسي ريغان نفسها قادت حملة تحت شعار «فقط قل لا» لمكافحة انتشار المخدرات في أوساط الشباب الأميركي كجزء من حملة التجييش هذه. بعد تشكل تأييد شعبي أميركي كاف ضد المخدرات، أصدرت إدارة الرئيس القرار ٢٢١ للأمن القومي الذي اعتبر تجارة المخدرات خطراً على مصالح البلاد العليا، وسمح للقوات الأميركية بالتدخل في أي مكان في العالم لمواجهتها. بدأت الحكومة الأميركية حملة ضغط واسع على السلطات الكولومبية لتسليمها بابلو، وتحرك عملاؤها في مختلف مفاصل السلطة ضده. طرد بابلو من الكونغرس الكولومبي، وبدأت السلطات بملاحقته بتهم سخيفة وقديمة انتهت إلى التوقيع مع الولايات المتحدة على اتفاقية مذلة تسمح بتسليم المحكومين الكولومبيين إلى السلطات الاميركية. أحس بابلو بالحصار، وشن حملة عنف غير مسبوقة على الحكومة واضطر للهرب إلى بنما بعض الوقت. من هناك، فاوض سلطات بلاده على تسليم نفسه مقابل إسقاط اتفاقية تسليم المحكومين، وعرض دفع ديون كولومبيا كلها نقداً مقابل العفو عنه. عقدت اتفاقية شكلية، واحتُجز بابلو في سجن القلعة التي أنشأه بنفسه، لكنه أحس بأن السلطات الكولومبية المخترقة من الأميركي تتآمر لقتله، ففر من سجنه وبقي يتنقل في ميديلين لحين اكتشاف مكانه، فحاصرته قوة حكومية بمؤازرة المخابرات الأميركية وقتل في تبادل إطلاق النار، وإن كان رفاقه يقولون بأنه قتل نفسه كي لا يقبض عليه الأميركيون، فشعاره الأشهر في حربه الأخيرة ضد السلطة الكولومبية العميلة كان «قبرٌ في كولومبيا خير من سجنٍ في أميركا»، وكان له ما أراد. بمقتل بابلو، أصبح من السهل محاصرة الحركات اليسارية وتصفيتها بالحديد والنار ودفعها إلى القبول بالجلوس على طاولة التفاوض للاستسلام.
«ناركوز» الدراما الأجمل إلى الآن عن حياة بابلو كما تقدمها «نيتفليكس» هي جزء لا يتجزأ من سردية تتحكم بها الإمبراطورية بدقة عن رجل صعد في ظل الإمبراطورية، لكنها اختارته في ما بعد كوجه ورمزٍ للعدو الشرير الذي يخطئ بحق الشعب الأبيض المقدس، ولم تهنأ قبل قتله.
في أساطير الشعوب ــ منتصرة كانت أم مهزومة ـــ تبدو الحقيقة غير مهمة. دور بابلو يقتصر الآن على تكريس الصورة لكل سردية ممكنة: مجرم شرير بالنسبة إلى الإمبراطورية المنتصرة أو قديس وطني بالنسبة إلى الفقراء المهزومين دوماً. نعرف جميعاً كيف ينتهي التاريخ إلى تبني خطاب المنتصر وتلاشي رواية المهزومين... مسلسل «ناركوز» مثالاً.

*مستشار في إدارة الأعمال وعلاقات الشرق - غرب/ لندن