لم يكن أحد في الجزائر يتوقع اشتعال ما يشبه ثورة في قطاع الإعلام الذي ظل يعاني الركود لسنوات طويلة. فجأة، تحوّلت الحكومة من إهمال هذا القطاع الذي سبح طويلاً في الفوضى، إلى إبداء الرغبة في تنظيمه وإخضاعه للقانون. كل هذا بسبب ما اعتبرته محاولة رجل أعمال مثير للجدل احتكار المشهد إثر استحواذه على أكبر مجموعة إعلامية في البلاد. لا حديث هذه الأيام في الجزائر إلا عن إقدام يسعد ربراب (1944) ــ أغنى رجل أعمال في البلاد ــ على شراء مجموعة «الخبر» الإعلامية التي تضم جريدة واسعة الانتشار، وقناة و4 مطابع. هذه الصفقة رفضتها الحكومة الجزائرية، بحجة أنها تكرس الاحتكار في قطاع الإعلام، واتجهت إلى القضاء من أجل إبطالها.

ومع أن القضية مرفوعة أمام القضاء منذ نهاية نيسان (أبريل) الماضي، إلا أن المحكمة الجزائرية لم تفصل فيها بعد تأجيل البتّ بها ثلاث مرات. وينتظر المتنازعون في القضية جلسة المحكمة الرابعة المقررة في الثامن من حزيران (يونيو) المقبل. هذه المماطلة أدت إلى زيادة الجدل في الجزائر حول الأسباب والخلفيات، وذهب بعضهم إلى فرضية وجود خلفيات سياسية للقضية، بالنظر إلى حرب التصريحات التي نشبت بين وزير الاتصال حميد قرين، ورجل الأعمال يسعد ربراب المعروف بعلاقته المتوترة مع الحكومة، وكل حكومات الرئيس بوتفليقة. ويصنف المقربون من الرئيس ربراب بأنه من الموالين لقائد المخابرات السابق، الجنرال توفيق، الذي لم يكن على وفاق مع بوتفليقة، ويشنون عليه حملة تتهمه بالفساد، بينما يرد هو بالنفي القطاع.

مئات الصحافيين والتقنيين مهددون بشبح البطالة

وفق ربراب، فإن الدعوى القضائية التي رفعت لإبطال الصفقة، هي «قرار سياسي، واستعمال للقوة ضد الصحافة المستقلة»، لأن الصفقة من منظوره «قد احترمت القوانين بحذافيرها، ولم يبق أمام الحكومة إما أن تحترم القانون، وإما أن ترفضه وتطبق ما تريد لأسباب سياسية». وقد قرر ربراب أخيراً وضع أسهم «الخبر» في البورصة، لتصير ملكاً لكل الجزائريين المؤمنين بحرية التعبير، كردّ على من يتهمه بشراء المجموعة من أجل تحقيق طموح سياسي.
غير أن وزير الاتصال رد هو الآخر على الاتهامات التي تلاحقه بمحاولة إغلاق جريدة «الخبر»، بالتأكيد على أنه لا ينوي ذلك، بل يسعى فقط لتطبيق القانون على صفقة كانت مخالفة لبنود قانون الإعلام الذي يمنع امتلاك جريدتين من مالك واحد. لكن الوزير وجّه في المقابل انتقادات لاذعة للصحيفة لأنها تقدم «صورة سوداوية عن الجزائر»، وتبث الإحباط في نفوس الجزائريين على حد تعبيره. علماً أنّ الجريدة تعتبر من الصحف الخاصة الأولى في البلاد، وتقدَّم كنموذج ورمز لحرية التعبير، إذ ظهرت بعد فتح مجال التعددية الإعلامية عقب دستور سنة 1989، وقد أنشأها صحافيون ليس لهم علاقة لا بالسلطة ولا برجال المال، كانوا يشتغلون في الصحف الرسمية زمن الحزب الواحد.
تصريحات وزير الاتصال لاقت استهجاناً واسعاً من الصحافيين في الجزائر، إذ اعتبروها محاولة لإسكات كل صوت منتقد لسياسة الرئيس والحكومة وتهديداً لمن يتناول المواضيع المحظورة، بخاصة تلك المتعلقة بمرض الرئيس أو القوى التي تتخذ القرار في الجزائر أو مسألة توريث الحكم وخلافة الرئيس بوتفليقة بشكل عام.
كما رد محامون على الحجج القانونية التي ساقها الوزير في معرض دفاعه عن إبطال صفقة بيع «الخبر»، فقانون الإعلام في الجزائر يمنع امتلاك شخص طبيعي لأكثر من صحيفة، ويسمح بذلك للشخص المعنوي، وبالتالي لا ينطبق ذلك على امتلاك ربراب لجريدة «الخبر» كون المؤسسة التي اشترى بها المجموعة، ليست نفسها التي يملك بها جريدة «ليبرتي». أضف إلى ذلك أنّ امتلاك جريدتين لا يعني أبداً تكريس الاحتكار في المشهد الإعلامي على حد تعبير هؤلاء.
ومع الضجة الكبيرة المثارة في قضية «الخبر»، قرر رئيس الوزراء عبد المالك سلال، الدخول على الخط، و«وضع حد لفوضى قطاع الإعلام في الجزائر». هكذا، إذ أعلن عن نيته غلق 55 قناة من أصل 60 محطة جزائرية تبث على الساتلايت بسبب عمل هذه القنوات خارج القانون وعدم امتلاكها التصريح بذلك.
ويوضح المحامي بوجمعة غشير في تصريح لـ «الأخبار» أنّ كل القنوات الخاصة في الجزائر أجنبية في نظر القانون الجزائري، لأن الإطار القانوني ليس متوفراً بعد لتحول هذه القنوات إلى جزائرية، ولم يظهر بعد دفتر شروط إنشاء قنوات جزائرية رغم من صدور قانون السمعي البصري قبل سنتين.
وأشار غشير إلى أن القنوات الجزائرية واجهت المنع الذي كانت تفرضه السلطات الجزائرية، باستعمال حيلة إنشاء قنوات في الخارج، وطلب اعتماد مكاتب لها في الجزائر لمزاولة نشاطها، مما يمكنها من البث. لكن هذا الاعتماد لم يمنح حتى الآن إلا لـ5 قنوات بينما تنشط البقية خارج القانون تماماً. وأضاف أنّ هذا الوضع تتحمل الحكومة المسؤولية عنه بسبب تأخرها في إصدار القوانين وتطبيقها.
وتسود حالياً في الجزائر حالة من الترقب لما ستسفر عنه نتائج «تطهير قطاع الإعلام في الجزائر»، خاصة أن مصير المئات من الصحافيين والتقنيين بات مهدداً بشبح البطالة في حال تنفيذ القرار.