عند الساعة التاسعة من مساء اليوم، تنطلق الدورة الثامنة من مهرجان «ربيع بيروت» الذي تنظمه «مؤسسة سمير قصير» كل عام ضمن التزامها «جعلَ الثقافة في لبنان ديموقراطية» عبر «إتاحة عروض وأعمال فنية مجانية للشباب من مختلف أنحاء العالم» وفقاً لرئيسة المؤسسة الإعلامية جيزيل خوري، من دون إغفال الفنانين اللبنانيين الذين يملكون دائماً مساحتهم الخاصة.


منذ انطلاقته عام ٢٠٠٩، قدم المهرجان ما يزيد على ٣٥ عرضاً في أمكنة متعددة من العاصمة اللبنانية، حيث احتلت الأعمال الفنية فضاءات عامة كالحمامات الرومانية وحديقة سمير قصير ومبنى الدوم المهجور وساحة العجمي في أسواق بيروت. ربما هذا ما يمنح «ربيع بيروت» ألقاً تكتمل دائرته بتنوع العروض والفعاليات التي تجمع الموسيقى بالعروض المسرحية والرقص المعاصر والتجهيز الفني والحوارات والندوات التي حفل بها تحديداً المهرجان العام المنصرم، مقدماً سلسلة من الملتقيات التي عالجت مواضيع مرتبطة بحرية التعبير وبـ «معالجة الذاكرة لبناء المستقبل» وبقضايا راهنة كالأزمة السورية وتداعياتها دولياً وثقافياً، والقضية الفلسطينية في ظل التغيرات الإقليمية الحاصلة.

على مدى ثماني سنوات، احتضنت البرمجة خلال الأعوام الأولى للمهرجان «زجل» (٢٠١٠) عمل أوبرالي من وحي الزجل اللبناني لزاد ملتقى وفاديا طنب الحاج، وحفلة «فرقة بديلة» التي ضمت كلاً من الهند وإيران وفرنسا، وأقيمت في موقع الدوم الأثري، ثم كرّت السبحة مع الأوبرا الإيطالية «بيل كانتو» (٢٠١١)، ومع حفلة «مدينة مطاطية» لكنان العظمة (Elastic city ــ 2012) والموسيقى الإلكترونية المرفقة بالرقص الصوفي مع مرجان ديدي وفرقته التركية (٢٠١٢). كذلك لم تغب موسيقى الهيب هوب والراب عن المهرجان، فاستضاف كل من ريس بيك (٢٠١٠) وناصر الدين الطفار والسيد درويش وهالو سايكاليبو (٢٠١٤) في حفلة «دم وملح» الغنائية.

كانت للمسرح محطة مميزة عام ٢٠١٣ حين استضاف أكثر من عمل للمخرج والكاتب المسرحي اللبناني الأصل وجدي معوض هي «حرائق»، و«وحيدون»، و«الحارسة». عبر تلك النصوص، شرّع وجدي معوّض أبوابه للحديث عن الجذور وتسرّبات الحرب الأهلية والالتزام الكوني والإنساني والفن. كذلك، تعرف المقبلون على المهرجان إلى أعمال المخرجة والممثلة التونسية رجاء بن عمار التي قدمت عرضاً تجهيزياً مع فرقة «فو»، هو «فقاعات» (٢٠٠٩). وقدم عمر راجح «عملية اغتيال» (٢٠٠٩) في الفضاء الطلق في الحمامات الرومانية، وعُرض «آباؤنا» لفرقة «باباكاس» البريطانية. كذلك، كانت روح بينا باوش حاضرة بقوة في عرض «تفاح مهروس» (٢٠١٤) لفرقة «غانديني جاغلينغ» التي تعود إلى المهرجان هذا العام بعرض يحمل عنواناً مثيراً: «٤ ضرب ٤: رسوم هندسية فانية» (7/6 ــ س: 21:00) تقدمه في «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت). الفرقة التي تعمل منذ ٢٤ عاماً على فن الألعاب البهلوانية، أرادت أن تكتشف أفقاً جديداً لهذه الفنون، حيث تُدمَج مع الباليه الكلاسيكي: «أربعة فنانين من عالم الألعاب البهلوانية وأربعة راقصين من عالم الباليه الكلاسيكي يتشاركون في رسم الفضاء المسرحي معاً للمرّة الأولى». إثر مقابلة له في إدنبره عام ٢٠١٥، أشار شون غانديني إلى التعقيد الذي يشوب هذا المزيج. واحد من الأمور التي أسرته هي فكرة الخطأ والصواب الموجودة في فن الباليه المحكوم بجماليات حركية ثابتة كلاسيكية الطابع، بينما تتفلت الفنون البهلوانية من كل تلك الأحكام والحسابات. أمر دفعه إلى تخيّل ألعابه البهلوانية على هامش مركب من الصواب والخطأ: ما هي الطريقة السديدة للقيام بحركة بهلوانية مع ٥ طابات مثلاً؟ غانديني الذي لطالما أحب الرياضيات، بنى عرضه كما لو أنه يبني معادلات وعمليات حسابية مستعيناً بالكوريغراف لودوفيك أونديفيلا. أما عرض الافتتاح هذا العام، فهو «آموك» (س: 21:00 مساء اليوم ــ في «المعهد العالي للتجارة»/ كليمنصو) الحائز «جائزة موليير» (٢٠١٦) لأليكسي مونكورجي، حفيد النجم الفرنسي الراحل جان غابان. إنّه عمل مونودرامي، اقتبسه مونكورجي عن قصة للكاتب النمسوي ستيفان تسفايغ، وقام بأدائها بالتعاون مع المخرجة كارولين دارني. بعد «أفينيون» عام ٢٠١٥، ومسرح «الجيب» في موبارناس، تحطّ شخصية زويغ رحالها في بيروت: طبيب مدمنٌ للكحول ومحبط في أوائل القرن العشرين حين كانت ماليزيا مستعمرة هولندية. تزوره امرأة فائقة الجمال، وتطلب منه أن يجهض حملها مقابل مبلغ من المال. يرفض في محاولةٍ منه لاستغلالها: «يستطيع أن يسعدها فقط إن قدمت نفسها له». تضحك، تدير ظهرها وتمشي. منذ ذلك الحين، يتحول الطبيب إلى «أموك»، وهي تعني بالماليزية مدمن الأفيون الذي يصاب بحالة من الجنون تدفعه أحياناً إلى القتل. يحاول الطبيب أن يقوم بكل شيء للبحث عن تلك المرأة: مسّ الأفيون الذي أصابه، يعلوه هذا الشغف لامرأة التقاها لدقائق معدودة. في إحدى المقابلات التلفزيونية، يفيد مونكورجي بأنه تحول هو نفسه إلى أموك. كيف لا وزويغ، المتأثر بفرويد، يرصّع كتابته الدقيقة بالعمل على البعد النفسي المكثف في شخصياته.

لا تغيب الموسيقى عن مهرجان هذا العام، فهناك محطة مع فرقة «أدونيس» اللبنانية التي تأسست عام ٢٠١١. وفقاً لأنطوني خوري، تهدف الفرقة إلى الدفع نحو تغيير موسيقي في لبنان. تتألف الفرقة من أربعة فنانين شباب، وتتنوع أغانيها بين البوب روك والروك. تلك الفرقة، التي انتشرت عبر أغنيتها الأولى «سطوح أدونيس» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصدرت حتى الآن ألبومين: «ضو البلديّة» (٢٠١١)، و «من شو بتشكي بيروت» (٢٠١٣). أما في حفلتها المرتقبة عند التاسعة من مساء الأحد 5 حزيران (يونيو) في ساحة سمير قصير، فستقدم أغنيات جديدة من ألبومها الثالث.

تغيب عن هذا العام اللقاءات أو المحاضرات السنوية التي كان يوليها المهرجان حصة من ربيعها البيروتي بين حينٍ وآخر، وسوف نفتقد لحوارات كتلك التي عقدها الروائي الفرنسي المغربي الطاهر بن جلون عام (٢٠١١) أو السينمائي المصري وحيد حامد (٢٠١٢) أو الشاعر اللبناني بول شاوول (٢٠١٣) التي تمحورت جميعها حول مخاض الربيع العربي… الذي على ما يبدو ما زال عسيراً، ولكن لا بد أن يخرج الأمل من مكانٍ ما.


«مهرجان ربيع بيروت»: عند التاسعة من مساء اليوم حتى الثلاثاء 7 حزيران (تموز) ــ أماكن عدة في بيروت. للاستعلام: 01/397331




الجوائز بين سوريا ومصر


لم تختلف النسخة 11 من «جائزة سمير قصير لحرية الصحافة» الي أعلنت أمس عن سابقاتها سوى بأنها تؤرخ لمرور 11 عاماً على إنطلاقها، وعلى إغتيال الصحافي اللبناني المعروف (1960 ـــ 2005). قد تتغير بعض الوجوه من اللجان التحكيمية والحضور، لكن الثابت في هذه الجائزة سنوياً، هو اختصار كل لعنات الحرب في الشرق الأوسط بـسوريا «الثورة».

الجائزة التي تنقسم الى 3 فئات: المقال الرأي، والتحقيق الإستقصائي، والتقرير السمعي/ البصري، أخذت سوريا حصتين منها. إذ فاز السوري ماهر مسعود عن مقاله «أرض الكلام» المنشور في مجلة «طلعنا ع الحرية»، وحصد مطر إسماعيل السوري أيضاً جائزة عن تقريره «حب في الحصار» (فئة التقرير السمعي البصري)، فيما ذهبت جائزة التحقيق الإستقصائي الى المصري محمد طارق الذي وثق في شريطه «شبر وقبضة»، لحالات وفاة المحتجزين في أقسام الشرطة.