يجب أن يكون واضحاً منذ البداية أنّ توماس بيكيتي (1971) ليس ماركسياً، ولا إمكانية لمركسته بأي شكلٍ من الأشكال. صحيح أن عنوان كتابه الجذاب هو «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» (2013)، لكن هذه اللعبة لا تكفي. أكثر من ذلك، يمكن القول ــ لاحقاً ــ إن التسمية بحد ذاتها، قد تنطوي على شيء من الحيلة الرأسمالية. صحيح أنه يتحدث عن تراكم الثروة في يد فئة متواضعة من العالم، لكنه في الوقت ذاته يرى هذا خروجاً للرأسمالية عن طورها، أو خروجها عن طور الاستيعاب. وإذا كان الحديث لا يتسع للغوص في كتابه، غير أنه لا بد من ذكر بعض الإشارات المهمة. في التحليل الماركسي للمجتمع البورجوازي، يجب الخروج بخلاصة كلاسيكية مفادها أن ثمة تناقضاً أساسياً في طبيعة النظام الرأسمالي، بما أن الإنتاج يصبّ دائماً في مصلحة فرد، في حين أن الطبيعة الاجتماعية للإنتاج تحدث على نحوٍ جماعي. وهذا يتناقض على نحوٍ تام مع خلاصات الباحث الفرنسي، الذي يذهب كثيرون من ماركسيي غب الطلب اليوم إلى تأييده. خلاصات تقول إن الرأسمالية ستصبح متفلتة. بكلماتٍ أخرى: يجب فعل شيء ما لإنقاذها، كما لو أن التناقض يحدث خارجها، لا داخلها. عصارة أفكار الأكاديمي الفرنسي، أن رأس المال آخذ في التمركز، وسيؤدي هذا في وقتٍ من الأوقات إلى الاصطدام بقواعد جديدة، أي إن العوائد على رؤوس الأموال ستتجاوز دائماً معدل النمو في الاقتصاد. وبسبب تركزه في مكانٍ واحد، فإن رأس المال سيحصل على أرباح وفوائد، لن يستطيع الاقتصاد توفيرها. وهكذا، تصبح الرأسمالية في أزمة. السؤال المنهجي هنا الذي يوجه إلى بيكيتي: ماذا بعد الرأسمالية؟

في الواقع، ليس هناك من داعٍ للمبالغة في تقدير بيكيتي، ولا يجب التقليل من أهمية أبحاثه فقط لأنه ليس ماركسياً. يمكن تصنيفه كواحدٍ من مطوري نظريات اليسار الأوروبي بتمثلاته المنوعة، أو يمكن القول إنه كينزي مُفرط في كينزيته. وفي أي حال، الاقتصاد السياسي المعاصر عموماً يتمتع بالمرونة الكافية لاستيعاب ما ينسبه الباحثون الاقتصاديون إلى أنفسهم، وما يُنسب إليهم من تسميات، من غير أن يكون هذا منهجياً بالضرورة. غير أنّ من المؤكد أنّ توماس بيكيتي ليس وارث كارل ماركس. من منظور كينزي صرف، يمكن تفسير دعوة بيكيتي إلى تدخل الحكومات في الاقتصاد، لكبح جموح الرأسمالية. ولكن، كلاسيكياً أيضاً، كان كينز تقريباً يذهب إلى الجزم بأن هذه الفكرة صحيحة: يجب أن تصرف الحكومات من المال الذي لا تملكه، وربما أنقذ هذا الرأسمالية. هذه إجابة ممكنة على السؤال أعلاه. لكن، هل يصح الدواء «الكينزي ــ البيكيتي» لإنقاذ الرأسمالية دائماً؟ هذا سؤال مفتوح آخر. ستبدو المسألة في ظاهرها معقدة لكثيرين، خاصةً لمروحة واسعة من «أيتام الاشتراكية»، الذين يصرفون وقتاً وافراً في لعن النيوليبرالية والرأسمالية، من دون أي تصور إيديولوجي واضح، أو ممنهج، لما يفترض بالقول إنه محاربتها. لقد وجد هؤلاء في دعوات بيكيتي مقاعد وثيرة يجلسون عليها، ويضعون على الطاولة الأيديولوجيات القديمة.

أحد مطوري نظريات اليسار الأوروبي بتمثلاته المنوعة

بيكيتي، حسب كثيرين من النقاد، ليس ذلك المحارب الذي يحمل سيفاً ويركض خلف الرأسمالية لاجتثاثها، ورؤيته للعالم تعتمد على الإحصاء والأرقام، أكثر من اعتمادها على المعايير الأخرى، التي يطالب كثيرون من المهتمين بالاقتصاد السياسي بإدخالها في المقاربات الاقتصادية. نقطة أخرى يمكن أن تفيد في الإضاءة على هوية بيكيتي الاقتصادية، هي أن الليبراليين ينتقدون الرأسمالية أيضاً. الهجوم على الرأسمالية ليس حكراً على أعداء الليبرالية كما هو شائع، وإن كان النقد الليبرالي للرأسمالية ليس إطلاقياً، وإن كان أحياناً يضمر شيئاً من التعسف، عبر دعوة الدولة بالتحول إلى ضابط مشرف على جنون السوق. وفي السياق ذاته، فإن بيكيتي حسب نقاده، لا يجد خلافاً بنيوياً بين النيوليبرالية والديموقراطية الاجتماعية، وهو في ركونه إلى هذا النوع من المقارنة يكون قد غادر دائرة الماركسية تماماً. ولا يبقى من هذه الدائرة إلا عنوان كتابه، حيث يصرف من أبحاثه للقول إن الشيوعية مرتبطة حصراً بالأنظمة الشمولية.
بمعزل عن هذا، تجب الإشارة إلى أن في أبحاث بيكيتي ملاحظات جدية ومهمة، بمعزلٍ عن كونه حارساً نشيطاً للنظام العالمي. إن بقاء رأس المال سارحاً بلا قيود، سيعيد العالم مئة عام إلى الوراء، والعالم بالنسبة إلى الكاتب الفرنسي، هو أوروبا. سيبدو هذا موقفاً «بوست كولونيولياً»، لكن استشهادات الباحث الاقتصادي، حتى التي تذهب إلى الأدب والرواية، لدعم وجهة نظره، هي استشهادات تخدم الواقع الأوروبي ومستقاة منه تحديداً. وهو واقع يقول بيكيتي إنه سيشهد عوداً أبدياً، بحيث تنتقل الثروات بين البشر من طريق سلسة من العلاقات الاجتماعية، لا عبر دورة العمل الاقتصادية. والنقطة الأخيرة مهمة جداً للبنانيين، هنا، حيث تعمل الأوليغارشيا في ما يشبه المختبر لأفكار بيكيتي عن أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى. وفي ضوء هذا، يجب التحذير من الإفراط في أسطرة الطبقة الوسطى كما هو دارج في «الترند» العالمي الجديد. النزعة التي استبدلت الطبيعة السلطوية للطبقة الوسطى، بتحذيرات شبه دائمة من القعر. وطبعاً، وبفضل الدعاية الرأسمالية، إنها النزعة التي ربطت مسألة العدالة الاجتماعية بالتوتاليتاريات، لتفسح المجال أمام ظهور سلسلة جديدة من «العدالات الاجتماعية»، المتمثلة في مروحة من الحقوق الفردية (وهي حقوق مهمة قطعاً)، التي يسهل على دوامة الاستغلال العام هضمها ومضغها جيداً، ومن ثم بصقها في إطار استعماري مزركش.
بدعوة من «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» (بالتعاون مع «المعهد الفرنسي»)، تقام جلسة نقاشية عند الثالثة من بعد ظهر اليوم مع توماس بيكيتي في «قاعة الأوديتوريوم» (مبنى «هوستلر» في AUB). يليها إطلاق الترجمة العربية من «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» الصادرة عن «دار التنوير».