منذ مطلع الألفية الثالثة، عرف صنّاع الدراما السورية كيف تؤكل الكتف بالنسبة إلى الدراما التاريخية، وأعطوها أهمية، من خلال حبكة موفقة وصياغة سليمة في طرح الأسئلة الراهنة ومواكبة القضايا المعاصرة والعودة إلى الجذور أو التصدي للإشكاليات بطريقة إسقاطية. على هذا الشكل، أجادوا صناعة دراما تاريخية طيبة الصيت، حرّرت هذا النوع من المتحفية التي لازمته سابقاً، ومكّنتنا من متابعة عشرات الأعمال التي طرحت شخصياتها بعفوية، لكن نجم هذه الأعمال أفل، بأمر من الفضائيات الخليجية التي كانت متحكمة في مصير الدراما السورية لفراغ السوق المحلية من المحطات الإعلامية الكافية. ظلّ إنتاج الدراما التاريخية بمثابة استثناءات قليلة لم تلق الاهتمام الكافي من الجمهور، لكن هذا العام يشهد عودة هذه الأعمال ربّما من أجل جردة حساب عميقة وتقديم صورة بحثية في الأسباب الأصيلة التي أودت بمنطقتنا إلى الحروب التي تحمل زوراً راية الدين!

سنكون على موعد مع مسلسل «سمرقند» (عن رواية أمين معلوف، سيناريو وحوار محمد البطوّش، إخراج وإنتاج إياد الخزوز ـــ قنوات «أبوظبي»، «المستقبل». وقد تكون لهذه التجربة خصوصيّتها وحظوظها في النجاح بذريعة الصورة المختلفة والتشويق الذي يعدنا به صنّاع العمل لكسر جمود المادة التاريخية، وعلى اعتبار أنّها تجنح باتجاه حياة عمر الخيّام (يوسف الخال) وحسن الصبّاح «شيخ الجبل» (عابد فهد). والمقاربة بين الأوّل الذي صنع مجده من خلال الشعر والفلك والفلسفة، وسبك الثاني تاريخه بالدم، بعدما أسس طائفة إسماعيلية معادلة عُرفت باسم «الباطنية» أو «الحشّاشون»، اتخذ لها موقعاً محصّناً في «قلعة ألموت» (جنوب بحر قزوين في إيران)، وتمكّن من خلالها من التأسيس لفكرة الولاء الكلي للقائد وفدائه حتى بالنفس. هكذا، أسّس جيشاً كاملاً من الانتحاريين وصنع لهم جنّتهم في دويلته المحصّنة بين الجبال. إنّها سيرة واحد من أبرز مؤسّسي الفكر الظلامي الذي يمتد اليوم ويكاد يسيطر على الوطن العربي كاملاً.
إلى جانب ذلك، سيكون شهر الصوم فرصة للتعرّف على حكاية «السلطان والشاه» (سيناريو العراقي عبّاس الحربي، وإخراج محمد عزيزية، وإنتاج محسن العلي، ومن بطولة سامر المصري وجواد شكرجي وصفاء سلطان وميسون أبو أسعد). يحكي العمل عن الصراع الذي دار بين الشاه إسماعيل الصفوي والسلطان العثماني.
علماً بأنّ النصيب لم يُكتب لعرض مسلسل «أحمد بن حنبل» (سيناريو وحوار محمد اليساري، وإخراج عبد الباري أبو الخير ــ إنتاج شركة «المها») هذا الموسم بسبب صعوبة استصدار تأشيرات دخول للممثلين في المغرب وتركيا، وانتقاله نحو أكثر من دولة حتى حط رحاله أخيراً في لبنان من دون أن يتمكن من اللحاق بالموسم الرمضاني. والعمل بحسب صنّاعه يتناول مواجهة التطرف والمد التكفيري وتشويه الفكر الإسلامي، وتأتي محاولة تناول هذه الشخصيات للقول إنّ هذا الصراع ذو أغراض سياسية، الهدف منها تشويه الفكر والتاريخ الإسلامي، إضافة لنفي ما توارد عن الإمام وتبيان حقيقة تسامحه وخلافه مع المعتزلة حول مسألة خلق القرآن.