«شبابيك الجنة» (2015) هو الباكورة الروائية الطويلة للمخرج التونسي فارس نعناع (1975) الذي بدأ عرضه في «متروبوليس أمبير صوفيل» الأسبوع الماضي. يصور المخرج في شريطه قصة زوجين يفقدان طفلتهما، والحداد الطويل الذي يدخلان فيه، كل على طريقته، وشرخ الألم الذي يمتد إلى علاقتهما ويهدد بانفصالهما.

العالم الذي يصوره الشريط، هو أقرب إلى الطبقة البرجوازية أو الميسورة في تونس التي تعيش في عالمها الخاص نوعاً ما. يوظف المخرج هذا العالم ضمن جمالية الوحدة والانعزالية التي يبينها سينمائياً، فهناك شيء من الأناقة في جمالية الصورة التي تبدو فائضة عن حدها، كأنما الشخصيات مسجونة ومكبوتة ضمن هذا الإطار الأنيق الذي لا مهرب منه حتى في وجعها الذي لا تستطيع التعبير عنه. وهذا الإطار يتمرد عليه البطل من بعد موت ابنته كأنما هو الملام على وفاتها. هذا الرقيب الاخلاقي مدمر في مثاليته، وليس واضحاً ما إذا كان المخرج ينتقده أو يمتدحه في الفيلم ونراه ممثلاً في صورة الأم. بينما ابنها محزون على وفاة ابنته ويتحول إلى كحولي، نراها تلومه على الحال التي آل إليها، وعلى مظهره الرث ولحيته التي توقف عن حلقها. يغوص هو في التدمير الذاتي، ولا يتقبل واقع وفاة ابنته. من جهة مقابلة، نرى الزوجة تتألم بصمت، تسعى جاهدة لأن تشغل نفسها طوال الوقت، وتكمل حياتها كالمعتاد كي لا تفقد السيطرة وتنهار. الزوج يذكرها طوال الوقت بألمها، ويلومها كأنما يشكك في حزنها على ابنتها، إلى أن تنفجر في النهاية وترحل. ما يزيد أيضاً من حداد الزوج علاقته الخاصة مع أبيه الذي لم يعرفه. يذهب أخيراً لرؤيته وهو على فراش الموت، ليشهد موته الفعلي بعد موته الافتراضي. لكن ذلك الحداد يساعده بطريقة ما على تقبل وفاة ابنته.
يشرّح الفيلم بدقة مراحل الحداد التي يمر بها الثنائي، والحزن الذي تتفاوت طريقة عيشه من شخص إلى آخر، فيما اللغة السينمائية المشغولة بجمالية وبعناية، تواكب حالة الحداد وتدخلنا بحميميتها في جلد الشخصيات. تلتقط تفاصيل الوجه التي تعبّر عما لا يقوله الحوار، أو تفاصيل الجسد أيضاً في رغبته وحزنه وغضبه كما في المشاهد التي تصور العلاقة الجسدية بين الزوجين، وشبح الحزن الذي يحضر فجأة ويقتل الرغبة. لكن إحدى مشاكل الفيلم هي تماهيه ربما الحرفي مع حالة الحداد التي يريد التعبير عنها المخرج. الحبكة أيضاً تغرق في إيقاع موحد، والشخصيات تراوح نفسها من دون تقدم ولا نلمس بعمق دواخلها، فيما تسيطر صوب النهاية على الفيلم نزعة تراجيدية هي أقرب إلى الاستسهال في سعيها للتأثير على المشاهد.

«شبابيك الجنة»: «متروبوليس أمبير صوفيل» ــ للاستعلام: 01/204080