منذ الشهر الماضي، تتوالى العروض اللبنانية في «متحف حضارات أوروبا ودول البحر المتوسط» MUCEM في مرسيليا، ضمن استضافة لأعمال فنية لبنانية معاصرة بعنوان «بيروت يا بيروت». وشهدت نهاية عطلة الأسبوع عروضاً وقراءات بتوقيع سيرين فتوح، أحمد غصين ومجموعة «دكتافون».

ثلاثة عروض لبنانية على مدى يومين، كانت كافية لتحويل ساحة «لونش» القريبة من المتحف الى ما يشبه باحة صالة «متروبوليس» أو مدخل «مسرح المدينة» في شارع الحمرا. فنانون وفنيّون ومتابعون آتون من لبنان، أو من مرسيليا، التقوا في هذه الساحة، سلامات وعلامات تعجّب عند صدفة اللقاء.
افتتحت العروض مع سيرين فتوح، «مذكرات» أو تاريخ لبنان من خلال أعمال لفنانين لبنانيين. اختارت قلعة عسكرية تاريخية، تحوّلت سجناً في الأربعينيات، دوّن بعض سجنائها الأيام التي قضوها على الجدران.
قرأت فتوح نصوصاً من أكثر من فيلم عن حروب لبنان الأهلية والإسرائيلية على لبنان من أعمال لغسان سلهب، خليل وجوانا حاجي توما، لميا جريج، ووائل نور الدين.
اختارت نصوصاً ترجمتها الى الفرنسية وقرأتها بعشوائية، تحمل شهادات وقصصاً شخصية، تفرد معاني الحروب داخل كل شخص عاشها، أغلبها تنقل تجربة الأطفال والمراهقين، يروون يوميات الحروب بعيونهم، الاجتياح، القصف الجوي، أصوات القذائف، الحواجز، الخوف، التساؤلات والأحاسيس. في مكان يردد صدى كلمات سيرين في الأرجاء، وفي طلقة ثانية من القلعة، عرضت سيرين تجهيزاً صوتياً آخر مع قراءة غيث الأمين لنصوص كتبتها هي سابقاً.
وبمشاركة تقنية لنسرين خضر، قدم أحمد غصين عرضاً بصرياً وقراءة بعنوان «عندما جاء العرّاف وتحدث إليّ»، سبق أن حطّ أخيراً في «أشكال ألوان» ضمن «أشغال داخلية 7». تناول أحمد ظاهرة تجسيد الانتصارات السياسية والعسكرية فنيّاً، ودخولها الى ذاكرتنا وثقافتنا، مقاربة النصب التذكاري في الفن والايدولوجيا والدين والترويج البصري السياسي الحزبي.

سيرين فتوح تلت تاريخ لبنان من خلال أعمال فنانيه

عرض ظاهرة تجسيد «حزب الله» لانتصاراته عبر تماثيل ومنحوتات تتكاثر جنوباً، وهي أخذت مكان أخرى. كما حلّت ثقافة المقاومة الإسلامية محل ثقافة مقاومة أخرى، فاستعاد العرض أيضاً الظاهرة نفسها مع الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري. فلسفة المنحوتة أو النصب الذي سيظهر يوماً أمامنا على الطريق، ليدخل ذاكرتنا ويصبح مع الوقت مشهداً من يومياتنا وثقافتنا مع عرض لظاهرة اختفاء تماثيل أو تفجيرها وصمود أخرى وتساؤلات عن مصيرها.
مجموعة «دكتافون» أدت في Rien à déclarer، فيديو مونتاج علي بيضون، ونصوص من كتابة وقراءة تانيا خوري، بترا سرحال وعبير سقسوق. يروي العمل سيرة ومسيرة القطار اللبناني مجدداً، حيث ذهبت كلّ منهنّ نحو الشمال، الجنوب والشرق الى الجبال، باتجاه السكك الحديدة التي تقطّعت كما تقطعّت أوصال البلد خلال حروبه.
تاريخ الرحلات الأولى والأخيرة، روايات وقصص تتداخل فيها العديد من العوامل، من النكبة الفلسطينية، والحرب الأهلية، إلى الوجود السوري والحرب السورية الدائرة حالياً، بالإضافة الى تعديّات وصفقات عقارية لا يمكن الوقوف في وجهها وذهنية سياسية اجتماعية غير مبالية.
موظفون مسجلون يقبضون رواتبهم، محطات نما فيها العشب أو تحولت إلى مراكز عسكرية، ما تبقى من مقطورات صدئة شاهدة على أيام الميليشيات والجيوش التي استوطنتها.
تلحق كل من عبير، بترا وتانيا بخط سكة الحديد في الاتجاهات الثلاثة، وتختلط هذه المشاوير بذكريات من يروي سيرة القطار وحاضر محطاته المتوقفة عن العمل.
ثيمة الحروب هي عصب أغلب العروض اللبنانية في المتحف، لا تزال التجهيزات البصرية لفنانين لبنانيين وعن لبنان تُعرض منذ الافتتاح، لغسان سلعب، راني الراجي وباتريك لافون والراحل جان جينيه. تطالعك أغنية لبنانية أو صورة من البلد في العروض المستمرة هذا الشهر وستستضيف ربيع أبو خليل وفريق «غوروميان» في الثامن عشر من حزيران (يونيو) المقبل.

«بيروت يا بيروت»: حتى 26 حزيران (يونيو) ـــ «متحف حضارات أوروبا ودول البحر المتوسط» MUCEM ـــ mucem.org/en