من الصعب وصف مسلسل «أفراح القبة» (عن رواية نجيب محفوظ ــــ إخراج محمد ياسين) بأنه جماهيري، فالجمهور بمعناه الواسع لا يتابع بسهولة الأعمال التي قد تصيبه بالارتباك بسبب طريقة سرد الأحداث. لكن المسلسل حاز بالفعل رضى معظم النقاد ومتابعي الدراما عبر السوشال ميديا، وخرج الجميع من التجربة فائزاً حتى الآن. الحُكم المُبكر على مسلسلات رمضان يظلم بعضها بالتأكيد، ويعطي بعضها الآخر ميزة قد تفقدها مع مرور أيام شهر الصوم.
اهتمام المخرج محمد ياسين بتفاصيل الملابس والديكور والإضاءة منح العمل صورةً مُبهرةً
بمعنى أن الجمهور أحياناً يُطلق آراءً مبكرة تقلّل من جودة أحد المسلسلات بسبب ضعف الحلقات الأولى، والعكس يشيد بافتتاحية عمل آخر قد لا يستمر على المستوى نفسه باقي أيام الشهر. لهذا، يركّز صنّاع كل عمل على إحراز هدف مُبكر يجعلهم متقدّمين على الآخرين، بخاصة في النصف الأول من رمضان، على أساس أنه من الصعب لاحقاً تغيير المراكز ولا يحدث ذلك إلا بشكل استثنائي كما جرى في مسلسل «طريقي» (ﺇﺧﺮاﺝ محمود كريم وتأليف تامر حبيب-2015) لشيرين عبد الوهاب. كان المسلسل قد حصد جماهيرية متأخّرة في النصف الثاني من السباق الدرامي في شهر الصوم. في رمضان هذا العام، تتنافس عشرة مسلسلات مصرية على الأقل على المراكز الأولى، من بينها «أفراح القبة». العمل الذي لا يزال محبّوه يترقّبون كيف سيُكمل المشوار حتى نهاية رمضان يتمتع بجاذبية خاصة، ربما لم تصل إلى الطبقات الشعبية التي لا تفضّل هذا النوع من الدراما. لكنه على المستوى النقدي وكذلك على مستوى الآراء المنتشرة عبر السوشال ميديا، نجح في إحراز مركز متقدّم بعد حلقتين أو ثلاث، وأعلن الكثيرون عن نيتهم استكمال المتابعة. الحلقات التي كتبها محمد أمين راضي ونشوى زايد، تحتاج إلى متفرّج من النوع القادر على التركيز كون الأزمنة تتداخل والسنوات تتقدّم ثم تتأخّر في الحلقة نفسها. أضف إلى ذلك المزج الذي أبدعه محفوظ في الرواية بين الواقع والمسرح حيث تدور الأحداث بالكامل في كواليس فرقة «الهلالي» المسرحية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وسط مجموعة من الشخوص المتنافرة والمتوافقة في آن. لكن ما يجمع بينها في الأساس هو غياب الشخصية السوية، فكلّ هؤلاء خاطئون كما رآهم محفوظ. تبدأ الأحداث بجريمة قتل تحية عبده (منى زكي)، الممثلة المغمورة التي حاولت مقاومة سمعة عائلتها السيئة بالزواج من مؤلّف مسرحي يصغرها بعشر سنوات (محمد الشرنوبي). كما تخلّت تحية عن ممثل آخر يهيم بها عشقاً (إياد نصار)، فيَتهم العاشق الزوج بقتل تحية لتتعقّد الأحداث منذ الحلقة الأولى. تبدأ الأحداث بالتصاعد عندما يوافق صاحب الفرقة على إنتاج مسرحية تدور حول القصة الحقيقية، فيُصبح المتفرّج طوال الوقت غير قادر على التمييز بين ما هو حقيقي، وما يجسّده الممثلون على خشبة المسرح داخل المسلسل. الاهتمام بتفاصيل الملابس والديكور والإضاءة وغيرها من الأمور التقنية منح المسلسل صورةً مُبهرةً اعتاد عليها جمهور محمد ياسين صاحب «الجماعة» و«موجة حارة». لكن أكثر ما جذب الانتباه هو المباراة الحامية في إبراز القدرات التمثيلية بين أبطال العمل بدءاً من العائدة بعد غياب وبتألق واضح منى زكي (تحية عبده)، مروراً بالممثل العاشق إياد نصار ومدير الفرقة جمال سليمان. كذلك، هناك بطلة الفرقة (صبا مبارك) التي تغار من أيّ سيدة أخرى في محيطها، والملقّن وزوجته (صبري فواز) وصابرين ونجلها الشاب الذي حصل على فرصة كبيرة هذا العام محمد الشرنوبي. شهدت الحلقة السادسة اتساعاً في دائرة المباراة التمثيلية بظهور والدة تحية التي تجسدها سوسن بدر، وشقيقتاها رانيا يوسف ودينا الشربيني، ومعهن أحمد السعدني. باختصار، قد لا يحقّق مسلسل «أفراح القبة» انتشاراً على مستوى القاعدة الجماهيرية الواسعة، لكنه نجح في فرض اسمه بقوة في السباق. ومن المتوقع أن يستمر العمل على المستوى نفسه حتى نهاية رمضان اعتماداً على خبرة محمد ياسين وقدرته على الإلمام بالتفاصيل والحفاظ على الإيقاع طوال 30 يوماً، وقبل كل ذلك بفضل الراحل نجيب محفوظ.


* «أفراح القبة» يومياً 23:00 بتوقيت بيروت على «النهار‎»
* 14:00 على قناة «المستقبل»
* 14:00 على mbc دراما