قبل أعوام، هتف إيفان كارمازوف «كيف نبرر عذاب الأطفال؟ تلك مشكلة لا أجد سبيلاً لحلها. إذا كان على البشر أن يتألموا من أجل أن يمهّدوا بألمهم للانسجام الكليّ، فلماذا يجب أن يتألم الأطفال أيضاً؟ ماذا جنوا حتى يجروا في هذه الزوبعة؟». لم يكن بطل «الأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي يمتلك حججاً ميتافيزيقية عظيمة كي يرفض العالم والله معاً. كان يردد اتهام الخليقة التلقائي وحسب. تستحضر هذه العبارة زيارة مهنّد عرابي (1977) إلى أحد مستشفيات دمشق، الذي كان ممتلئا بالأطفال المستلقين على الأسرّة. مشهد سيرافق الفنان السوري في رحلته التي لجأ فيها إلى وسائط ومرجعيات عدة للوحاته. وهو ما سيدفعه إلى أسر أشخاصه داخل ملامح طفولية، على ضآلتها، موجهاً اتهامه الأبدي إلى العالم.

بعد الحرب السورية، والجدران الذي صارت تفصله عن المقربين منه، ذهب عرابي نحو علاقة أكثر واقعية مع الرسم والبورتريهات. استعان بالثقل البصري للحرب في بلاده على وسائل التواصل الإجتماعي وملصقات الشهداء لخلق لوحات معرضه «بورتريه عائلي» (2015). في «لم يعد الأمر يتعلق بي» عام 2012، تختلط الذاكرة الشخصية للفنان مع الذاكرة الجماعية لأبناء بلده. تنبثق الذاكرتان من الصور العائلية لعرابي، التي أصبحت الركيزة الأساسية في المعرض، وقد أضاف إليها بعض الطبقات التعبيرية التي تستثير قلق الإنسان. تتصدر الوجوه الدائرية عيون واسعة أو مهشمة سوداء، أدّت الألوان دوراً في تحريرها من العمر والجندر المباشرين.

تبدو البورتريهات مألوفة وآتية من ذاكرتنا الجماعية

الرغبة في انتشال الشخوص حتى من الوعي البشري وإنجازاته، تصبح أكثر إلحاحاً في معرضه الجديد «معلقات» الذي يستمر في «غاليري أيام» حتى 7 تموز (يوليو). تستريح الكائنات الضخمة على11 ستارة سوداء وبنية في محاكاة للمعلّقات السبع الجاهلية على جدران الكعبة قبل الإسلام. على خطى المعلقات، ينشر عرابي قصص بورتريهاته في المعرض. هنا، تظهر ابتسامات خجلة على وجوههم المستديرة، بينما توحّدهم وضعية الجلوس على كرسي أو سجادة مزركشة كأنه يردد «المحبوبون هم الجالسون» مع الشاعر البيروفي سيزار باييخو. لكن يبدو أنّ هذا الخيار بتخفيف شخوصه من الملامح الواقعية التي كانت تمنح لوحاته عمقاً وثقلاً داخليين، قد ترافق مع تقنيات وخطوط سريعة للفنان لا تنفصل عن السرعة التي يؤمنها عصر التكنولوجيا في إنجاز الصورة الفوتوغرافية واللوحة والموسيقى. هكذا يقترب العمل الفني من الاسكتشات السريعة بالخطوط البيضاء الثابتة التي تحتفظ بهالة الأشخاص الخارجية المفرغة من التعابير والألوان والملامح. مقابل هذا التفريغ الداخلي لبورتريهاته الهشة، ولطافتها المستسلمة، يذهب عرابي نحو العمل على الخلفية بعناصر ووسائط مينيمالية مثل بعض الاكسسوارات الملونة والزخرفات التي تكسر هدوء اللوحات. الخفة تطبع حركات معظم الأشخاص المكتوفي الأيدي، بينما تكسر حركية التزيين حالة البلادة في اللوحات المسطحة. اليد الممتدة إلى الكرة، والقمر الذي يقترب من وجه الفتاة، بينما يقف عصفور على رأس صبي يفترش سجادة حمراء مع وروده أمام خلفيه ذهبية تزينها أزهار مصنوعة من المرايا المستديرة الصغيرة. في لوحات أخرى، تبدو البورتريهات مألوفة وآتية من ذاكرتنا الجماعية، كما الأمير الصغير الجالس على غيمة، ومريم العذراء التي تحتضن طفلها أمام خلفية حمراء. ينجز عرابي ما يشبه لوحات الواقع السحري بأبطال عجائبيين وآخرين بأجنحة. لعل هؤلاء الآخرين أموات، وقد منحهم عرابي مساحة آمنة أخيراً داخل لوحته بما يشبه فعل التقطيب لندوبها. في بعض اللوحات، يعمد عرابي إلى زحزحة دور اللون الأحمر التقليدي في هذه المنطقة، حيث لن يكون دلالة للون الدم في المعرض. على قماش أسود، تتجاور ثلاث لوحات بشكل طولي. وفيما تجمعها الخلفية الذهبية، يتقاطع اللون الأحمر للزهور التي تحملها الفتاتان مع لون الطربوش الأحمر للشاب الجالس في الوسط. بعدما استلهم عرابي بورتريهاته من الواقع الصلف، ها هو يصنع معلقاته البصرية المعاصرة مقترحاً الخفة واللعب والخيال خلاصاً لأبطاله أمام التطوّرات الدموية في العالم العربي.

«معلقات» لمهند عرابي: حتى 16 تموز (يوليو) ــ «غاليري أيام» (بيروت). للإستعلام: 01/374450