في رمضان 2016، تواصل «المؤسسة اللبنانية للإرسال» رهانها على الدراما اللبنانية، فيما تضع زميلاتها ثقلها في الأعمال السورية والشامية والمشتركة التي ما زالت طبقاً رئيسياً على المائدة الدرامية في شهر الصوم. «مش أنا» و«وين كنتي» هما العملان اللذان تعرضهما lbci، ويغلب عليهما قصص الحب والمجتمع. بعد مرور 12 حلقة، لنبدأ بالحديث عن المسلسل الأوّل (إخراج جوليان معلوف، وإنتاج شركة m&m ــ ميلاد ومي أبي رعد) الذي كتبته كارين رزق الله، وتؤدي بطولته إلى جانب بديع أبو شقرا. ضمن قالب درامي اجتماعي ــ كوميدي، يتناول العمل عدداً من القضايا الإنسانية من صلب الواقع.

قبل أيّام قليلة، استحصلت «الأخبار» على أرقام كل من شركتي GFK و«إيبسوس»، اختصرت أسبوعاً تنافسياً حامياً بين القنوات اللبنانية (6 إلى 13 حزيران/ يونيو). بيّنت الأرقام استحواذ مسلسل «مش أنا» على أعلى نسب مشاهدة (13.19% GFK، و15.1 «إيبسوس»)، يليه «وين كنتي» في المرتبة الثانية (12.3% GFK، و12.9% «إيبسوس»).

عمل قريب من الناس لناحية مواضيعه وشخصياته

عملان لبنانيان خالصان ينافسان محلياً مسلسلات مشتركة تضم نجوماً لبنانيين وسوريين من الصف الأوّل، ومشغولة بميزانيات كبيرة. كيف هذا؟ السؤال محيّر طبعاً، لا سيّما أنّ الإنتاجات المحلية معروفة بتواضعها وبعدها عن الواقع، وسطحيتها، مع تسجيل استثناءات بسيطة طبعاً. السؤال نفسه طرحناه العام الماضي بعد الحديث عن أنّ مسلسل «قلبي دق» (إخراج غادة دغفل ــ 2015) الذي كتبته كارين رزق الله أيضاً يحقّق نسب مشاهدة عالية بين الجمهور اللبناني، رغم المنافسة الشديدة. يومها، كان من الواضح أنّ العمل أُنجز بسرعة أو بأقل قدر من المجهود؛ فالحبكة لم تكن تتّكئ على أساس متين، فيما الأحداث يطغى عليها التفكك والمصادفات المفتعلة. حتى إنّ الكوميديا التي رجّح البعض أن تكون سبب الإقبال عليه هرباً من الواقع المتعب والأعمال الثقيلة، نجدها تقترب من حدود السذاجة!
غير أنّ الوضع بالنسبة لـ «مش أنا» مختلفة إلى حد بعيد. «هنا» (كارين رزق الله) متزوّجة من عجوز ثري جداً، يبدو أنّها تعيش معه حياة تعيسة، وتكرهه كرهاً شديداً كما تكره كل ما يتعلّق به، وتهدف إلى الانتقام من الجميع. وفاته تفرحها جداً، وتُشعرها بأنّها أصبحت «حرّة»، قبل أن تلتقي بعدها بابن شقيقه «مجد» (بديع أبو شقرا) الذي عاد من السفر للمشاركة في الدفن. الشاب الذي أمضى آخر 14 عاماً من حياته في الخارج، يحاول معرفة «اللغز» الكامن وراء تصرّفات زوجة عمّه «غير الطبيعية والمريبة»، ويقرّر أنّه سيرد لها الصاع صايعين و«يؤدّبها». فهو يشك بأنّها ضالعة في وفاة عمّه، كما أنّها فجّة وعديمة الأخلاق ومعقدّة، وتسيء معاملة كلّ المحيطين بها، خصوصاً العاملات والعاملين في منزلها الفاره، ما عدا صديقتها المقرّبة «نادين». علماً بأنّ أندريه ناكوزي التي تؤدي هذه الشخصية تتميّز بأداء «نظيف» وغير مفتعل.
الحلقات الأولى لم تبشّر بالخير، إذ بالغت كارين رزق الله في تأدية دور المرأة المتسلّطة التي تحرص على تحويل حياة المحيطين بها إلى جحيم، وأخفقت في بلوغ هدفها «الكوميدي». غير أنّه مع مرور الوقت، تبدّلت المعادلة وصارت الحوارات مضحكة فعلاً، منتقاة من صلب حياتنا اليومية. جزء أساسي من هذا التغيير هي المحادثات الاستفزازية الدائرة باستمرار بين «هنا» و«مجد». هنا، يتألّق بديع أبو شقرا بأداء طبيعي يمزج بسلاسة بين الراحة والبساطة والجدية وخفة الظل، ويجبر كارين رزق الله على مجاراته. وهذا غير مستغرب بالنسبة لممثل مثل أبو شقرا المتخصص في هذا المجال ويملك ثقافة فنية واسعة، من دون أن ننسى نجاحه الأخير الكبير في مسرحية «فينوس» (إخراج جاك مارون) إلى جانب ريتا حايك.
ركن أساسي من أركان الحوارات المضحكة والمحبّبة في «مش أنا» هو ما يدور بين الشقيقتين المتقدّمتين في السن «سلوى» (سمارة نهرا) و«سهام» (نوال كامل). إنّهما شقيقتا الراحل «سهيل» وتعيشان بمفردهما، فيما يقع جلّ اهتمام «سلوى» على إيجاد شريك حياتها.
ما زلنا ننتظر أن تتبلور الحبكة مع تقدّم الحلقات، ونكتشف مثلاً سبب تعاسة «هنا» التي انقلبت حياتها رأساً على عقب منذ زواجها بـ «سهيل» قبل ثماني سنوات، وتأزّمت علاقتها بعائلاتها.
لكن الأكيد أنّ المسلسل هذه المرّة لا يغص بالمصادفات الغريبة العجيبة والحوارات السطحية، بل يتطرّق إلى مسائل مهمّة عدّة، وإن كان لا يغوص في أعماقها بل يعوم على سطحها. من بين هذه المسائل، قضية المالكين والمستأجرين القدامى عبر والد «هنا» (طوني مهنا)، والعقبات والصور النمطية التي قد يواجهها صاحب الوزن الزائد في مجتمعنا من خلال «فيرا» (نتالي سلامة) شقيقة «هنا»، وغيرهما.
في هذا السياق، لا بد من الثناء على أداء رودريغ سليمان («فؤاد» صديق «جاد»)، ولمى مرعشلي («جميلة» العاملة في المنزل الفخم). في المقابل، تبرز اختيارات غير موفقة للممثلين مثل «زينة» زوجة «فؤاد» (ريتا عاد)، و«هشام» شقيق «فيرا» (شادي ريشا)، وآخرين.
لسنا أمام مسلسل من العيار الثقيل طبعاً، إلا أنّه يمكن القول إنّ «مش أنا» عمل «خفيف نظيف» قريب من الناس، ويشبههم بمواضيعه وشخصيّاته. ومن الطبيعي أن يجذب الجمهور اللبناني المثقل بالهموم اليومية التي لا تنتهي!

*«مش أنا»: يومياً ــ بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci وLDC