عاصي الرحباني في مطعم «الحلبي» في أنطلياس. كان يجلس محاطاً بشلة من الأصحاب والرفاق. الجميع يؤكد أن عاصي اليوم يتعافى، بأعجوبة من جلطة دماغية كانت قد ألمّت به. عاصي يحب أن يلتقي الناس، يعرفهم أو لا يعرفهم. لم يكن يعرفني ولا تقابلنا معاً سابقاً. هناك في مطعم «الحلبي» التقيت به أكثر من مرة، وكنت دائماً برفقة صديق مشترك، هو ريمون جبارة. همّ عاصي أن نعثر عن جملة مفيدة واحدة عن مضمون عمل مسرحي كامل، وإذا الأمر لم يكن كذلك، يقول العمل لا يستحق الاهتمام. الحاجة كانت إيصال العمل ببساطة الى جميع الناس. مرة قلت له: «أستاذ عاصي، قرأت في كواليس مسرح الكازينو رأياً لك معلقاً على الحائط، يقول: «الفن ابن الوعي»

- عاصي: «نعم، وأنت ما رأيك؟»
- رفعت: «الفن ابن اللاوعي».
صفن عاصي وذهب بعيداً، استدرك الأمر سامي عطية، وغيّر الموضوع. لم أكن أعلم أن عاصي بوضع صحي يتطلب عدم إجهاد نفسه بمجهود فكري. وعندما هممنا بالمغادرة صافحته مودعاً، شدّ على يدي وقال لي: «طرحت السؤال ولم تلق الجواب... اجلس جنبي».
جلست. قال: «معك حق الفن ابن اللاوعي. الفن عود الى ملعب الطفولة، الى أشياء تحركّنا، تأخذنا الى مناطق تدهشنا. قصة كواليس الكازينو أقصد بها أنه على الطريق أثناء المشوار الفني، قد يصبح الفن ابن الوعي. المثابرة والاطلاع، علينا أن نحترمهما. هناك فارق كبير بين أنّك تعرف وتعمل في الفن، وبين أنك جاهل وتعمل في الفن. الشعر، الفلسفة، اللاهوت، العلوم، وكافة المعرفة تساهم في أن تكون فناناً غير شكل».

* مقطع من كتاب قيد التحضير بعنوان مبدئي: «كلمات، كلمات، كلمات، لا أعرف شيئاً»