ثلاثون عاماً؟ لا نكاد نصدّق أن كل هذا الوقت مرّ على رحيل عاصي. يقال إن الكبار لا يرحلون، بل يحومون حولنا، يتلصّصون على حياتنا، ويستوطنون وجداننا، يرافقون لحظات الفرح والأسى والغضب والنشوة والأحلام غير المكتملة، يتركون بصماتهم الخفيّة على أيّامنا، ويعشّشون في لحظات معيّنة من عمرنا الهارب. هذا الكلام ينطبق على الفنّانين الذين صاغوا الوجدان الشعبي والثقافة الوطنيّة… وبالتحديد على عاصي الرحباني (1924 ــ 1986). عملاق عاش في جلد رجل بسيط، يشبهنا ويختزن حكاياتنا. رجل حسّاس وخصب ونزق، يحوّل كل ما يلمسه إلى أغنيات ومسرحيات. اخترع لنا لغة، ووطناً من أوهام، وقصص حبّ لا تنتهي، وقرية أبديّة يتصارع فيها الخير والشر، ووطناً نموذجيّاً من الكرتون نفسه الذي تصنع به ديكورات المسرح. وجمّد الزمن عند الطفولة المنسيّة «على سطح الجيران»… ورحل أوّل الصيف، في التاريخ الذي كان وزير فرنسي قد طوّبه، قبل أربع سنوات، عيداً للموسيقى. منذ ذلك الحين نحيي ذكرى عاصي ونحتفل بـ«عيد الموسيقى» ونستقبل الصيف في اليوم نفسه. لكن أين كنّا كل هذه المدّة؟ ولماذا لم ننتبه إلى الوقت ينسل من بين أصابعنا؟ كل شيء تغيّر، والأمور على حالها. تغيّرت أسماء السماسرة والقتلة والطغاة، تعاقب المخاتير ورؤساء البلديّة، وسُرقت «جرار» كثيرة، وما زال «الغريب» ينشر الذعر في لاوعينا الجماعي، وما زالت السيارة «مش عم تمشي» رغم كثرة «الدفشات». وكم مدلج مات أمام البوابة! ولبنان هذه الكذبة التي صارت زلمة ـــ مثل راجح في «بياع الخواتم» ـــ يحاول جاهداً أن يبقى وطن الأوبريت الرحبانيّة.

نستعيد اليوم عبقري المؤسسة الرحبانيّة، في زمن الطوفان، كأنّنا نتمسّك بالثوابت التي يرمز إليها ويمثّلها، كأننا نحجّ إلى الزمن السعيد على رغم ثغراته الجوهريّة، وهشاشته، وكل الأخطاء والأكاذيب والتنازلات التي أوصلتنا إلى هنا. حين نبحث عن إحياء الذاكرة المضيئة، عن صحوة وطنيّة، عن الشعر والجمال، عن القدس والشام ومكّة وبغداد والأندلس، عن رندلى ويارا وجلنار، عن راحة البال والطمأنينة والبساطة، وحتّى عن السذاجة الأولى صنو الحبّ الأوّل، نرى أمامنا الرحابنة. نقول عاصي، ونفكّر بالمؤسسة الرحبانيّة بأقانيمها الثلاثة، عاصي، والراحل الكبير منصور، والفنّانة الخالدة فيروز التي ما زلنا نطالبها بالكثير. نقول عاصي، ونفكّر بزياد الابن الرهيب المعتكف في الصمت، وقد زعزع أسس وطن الأوبريت، وتوّج التركة العظيمة بوعيه النقدي والسياسي… وتحيّته «إلى عاصي». عاصي كل هؤلاء، وغيرهم أيضاً. في الضوء، وخلف الستارة المخمليّة حيث تحدث الأمور فعلاً. العائلة الرحبانيّة الكبيرة والصغيرة. ريما المؤتمنة على الألبوم العائلي، والتي تطالعنا اليوم بفيلم جديد، يحفر في الوجدان الجماعي… عاصي هو ذلك الجذع الصلب الذي تدين له الموسيقى العربية بالكثير. ما زال حاضراً بيننا، على الأثير، وفي الأسطوانات القديمة 33 لفّة التي تعود اليوم إلى الواجهة، وفي أكداس الأقراص المدمّجة، وعلى اليوتيوب وفي لوائح الـmp3 التي لا تنتهي. في أرشيفات سريّة نعرفها ولا نعرفها. وعلى لسان الناس، هؤلاء الذين استقى منهم الرحبانيان ما أبدعاه من قصائد وألحان.
نستعيد عاصي في الذكرى الثلاثين، مردّدين مع فيروز التي غنّت له يوم تعب دماغه، من كلمات منصور وألحان زياد ابن السابعة عشرة: «سألوني الناس عنّك يا حبيبي». إنه هنا أكثر من أي وقت مضى، عاصي. وسط هذا الخراب العظيم الذي يلف المنطقة، وسحب الدخان الكثيفة في سماء لبنان. نستعيد صورة «الأب» بعدما تساقطت التماثيل وانهارت الأساطير، وسط غياب مخجل، فظيع، للدولة اللبنانيّة. أي دولة؟ دولة قاطعي الطرق، وملوك الطوائف؟ الدولة البائسة التي يحكمها سماسرة وقوادون ولصوص، كما تختصرها أغنية «بهالبلد كل شي بيصير»، من الطبيعي ألا تعرفك… وإن عرفتك فلن تحبّك! لكن ما همّ؟ من بيروت ودمشق وتونس والجزائر… حتّى جبل الشيخ ودير الزور وحيفا المحتلّة، نتوارث أغنياتك. تمثالك الحقيقي في وجدان الشعب. كأي فنّان عظيم على امتداد التاريخ.