هذه الحروف ليست سوى قطرات صغيرة في نهر الكلام الجارف الذي سيصب اليوم في بحر الذكرى. ذكرى تأبى أن تكون ذكرى رحيل، فرغم أنها بلغت الثلاثين من عمر من تحمل اسم غيابه، إلا أنها غير قادرة على الإفلات من وطأة حالة الإنكار، لا وألف لا، عاصي الرحباني لا يمكن أن يكون قد رحل، فيما إبداعه لا يزال يهيمن على أرواحنا بهذا الحضور الطاغي. كل أبناء الأجيال في هذا «الشرق الحزين»، ممن ولدوا وعاشوا في السنوات التي تلت مولد العمل الرحباني الفيروزي الأول، في أواخر النصف الأول من القرن العشرين، ما زالوا حتى اليوم، يتوارثون تلك العادة الحميدة التي أطلقتها إذاعة دمشق، ذات صباح، ففرضت بقوة الجمال والنقاء، أن يتشبع ندى النسيم الصباحي بصوت فيروز. وكل غناء في الصباح، خارج الإطار الرحباني، يبدو مستهجناً وفي عداد الباطل...

كما الماء القراح يتغلغل بين حبيبات التراب العطشى، تغلغل الترنيم الصباحي الرحباني الفيروزي الأثير إلى مساحات بث إذاعي أخرى أكثر وضوحاً في ساعات النهار.. يذكر جيل من السوريين أن سلواهم في أيام «البلاغ رقم واحد»، كانت مسرحية «جسر القمر»: «القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلوا»، أو «البعلبكية»: «هون نحنا هون لوين بدنا نروح... بيضل فيها اتنين عيون حلوة وإيد يعمروا من جديد». ومع الغيوم السود لذاك الحزيران المفجع بانتكاساته: «الآن الآن وليس غداً» كانت تعيد لنا ما بات يُعرف اليوم بالطاقة الإيجابية. خمسة عقود وأكثر مرت على سلسلة الإسكتشات والمسرحيات الرحبانية التي أتاحت لنا الحياة متعة سماعها آلاف بل عشرات آلاف المرات، وفي كل مرة تذهلنا حبكة الحكاية وسحر الكلمة في عناقها مع النغمة، وذوبانها بسحر الصوت الذي يحمل الأغنية والشخصية، «عطر الليل» الصادحة بوعد الصوت، و«وردة» المحطة بإيمانها الساطع المُحبَط من جشع الآخرين، وزاد الخير المثقلة بهمّ مفاتيح مواطنيها، وملكة بترا «النجمة الوحيدة السهرانة بليل الشرق الحزين!!».
أي تلاليف دماغ نادر، بتوثبه المتأهب على الدوام لالتقاط الهمس الرباني، أنجبت هذه الأعمال التي لا يمكن لنا تصور أيام العمر خالية من وهجها؟ قد يقول واشٍ إن أبناء جيل الألفية الثالثة ربما لن يعرفوا القيمة الحقّة للتجربة الرحبانية، إلا أن الوقائع تشير إلى أن لكل جيل وسطاءه القادرين على نقل الإرث الثمين، وإلا كيف نفسر أن يأتي شاب حالم مَسَّتهُ عبقرية الفكر الرحباني ليؤسس وسيلة إعلامية ولا هم له عبرها سوى أن ينقل للسامعين عشقه لصورة وطن مثالي تعلّم جغرافيته وتاريخه وحتى مشاكله، من مخيلة عبقري إسمه عاصي الرحباني، استطاع أن يجعل الشقيق ورفيقة الدرب والابن، يتبعونه في شطحاته الإبداعية. سامر يوسف، مؤسس هذه الوسيلة الإعلامية، واسمها «شام. إف. إم» التي دأبت منذ أول يوم لتأسيسها على تكريس الأعمال الرحبانية «صباح ومسا» يقول: «أعتقد أن الزمن لم يأت بمثل هذا المفكّر ليعبّر عن ماهية إنسان هذه المنطقة، فلنسمها، الشرق الأوسط أو المشرق. فكر عاصي الرحباني وعطاؤه الفني والفلسفي أحاط بكل أفراحنا وأحزاننا وخير من أوصلها للأسماع بالكلمة واللحن، وباختيار الصوت الفيروزي ليكون أفضل من يحمل وينقل هذا الفكر».
عاصي الرحباني، الأب الروحي لكثر منّا، كلما أردنا أن نعبّر عن فكرة معقدة، أو أن نضحك من ألمنا، أو نبكي فرحنا، يهمس لنا بلمعة أغنية أو ومضة مسرحية، فيريحنا من البحث لأنه وجد الأفضل والأجمل، ولأنه باق فينا.
* إذاعية منذ 1968