التحية شيء والتكريم شيء آخر. بعد رحيله، قُدّمت لعاصي الرحباني تحيات عدّة، منها ملفنا هذا وهو بالمناسبة لا يرقى إلى منزلة أدنى تكريم ممكن. ريما الرحباني قدّمت لوالدها، في مجالها (الإخراج) أكثر من تحية، كانت كلّها لائقة، فيها الكثير من الحب والتقدير.

لكن عاصي الرحباني لم يُكرَّم إلاّ مرّة واحدة بعد غيابه: أسطوانة «إلى عاصي». فهي ليست عملاً غنائياً موسيقياً. إنها أعجوبة. الصوت، صوتها، أعجوبة. الألحان أعجوبة. التوزيع الموسيقي — ومن غيرك يا زياد؟ — أعاجيب.
رحل عاصي الرحباني في 21 حزيران (يونيو) 1986. بدأ زياد الرحباني عام 1988 العمل على إعادة توزيع 17 أغنية ومقطوعة موسيقية واحدة («جسر القمر» التي تفتتح الأسطوانة وتختتمها، بتوزيعَين مختلفَين… طبعاً!) من ألحان الأخوين رحباني لإنجاز «إلى عاصي». والأدق أنّ العمل على هذا التكريم بدأ في حزيران 1986، قبيل رحيل عاصي ببضعة أيام، عندما وزَّع زياد في بريطانيا، خلال التحضير لحفلات فيروز في لندن، أغنية «شتّي يا دنية». إدراج هذه الأغنية في البرنامج في اللحظة الأخيرة دفعه إلى كتابة توزيع جديد لها في ليلة واحدة (!)، لتكون أوّل وردة في باقة أغنيات «إلى عاصي». استمر العمل على الألبوم بين اليونان وبيروت حتى عام 1995. نفّذت «الأوركسترا السمفونية للإذاعة الرسمية اليونانية» التسجيل بقيادة زياد الذي أضاف عزفه على عدّة آلات، على رأسها طبعاً البزُق والبيانو. والملفت أنه ساوى في الحضور بين هاتَين الآلتين العزيزتَين أولاً على قلب عاصي وثانياً على قلبه.
صدر «إلى عاصي» عام 1995 على CD وكاسيت. حورِبَ من قبل أعداء الموسيقى. لكن الجبل صمد وبات من التسجيلات الأكثر مبيعاً في تاريخ لبنان. وبضمير مرتاح نقول، إن أردتم أن تهدوا أجنبياً أو مبتدئاً ألبومَين لفيروز، فليكن أحدهما «إلى عاصي» وإن أردتم واحداً فقط، فليكن «إلى عاصي». فهو بدون شك وبدون منازع أهم مادة صوتية صدح بها هذا الشرق في تاريخه لغاية تاريخه.
منذ سنوات قليلة، انبعثت الحياة بأسطوانات الفينيل (Vinyl) بعد غيبوبة دامت أكثر ربع قرن لأسباب عدّة لا مجال للدخول في تفاصيلها الآن. هكذا، وعندما تأكد منتج «إلى عاصي» (صوت الشرق) من عودة الاهتمام بالأسطوانات القديمة، أعاد طبع الألبوم التاريخي. نعم، بات «إلى عاصي» متوافراً في السوق على فينيل 180 غْرام (أسطوانتان في علبة واحدة — علّتها أنها محشورة في جيب واحد بدلاً من اثنين وأهمِلت كل المعلومات القيّمة الموجودة في الكتيِّب الأصلي، توفيراً لبضعة سنتات!). إنه أجمل حدث ممكن يحصل لمن يعشق هذا العمل ويعرف القيمة الصوتية للأسطوانات الفينيل. إنها أحلى هدية في عيد الموسيقى، في ذكرى غياب عاصي عن الوجود، وفي غياب فيروز وزياد عن السمع!