يُروى على سبيل النكتة أنّ طالباً في معهدٍ موسيقي أمضى سنواتٍ في الدراسة مركزاً جهوده على مادة التأليف. أراد أن يصبح مؤلفاً خلوقاً مسلّحاً بشهادة ممهورة بختم المعهد وبتوقيعٍ آسرٍ وواثقٍ كشخصية صاحبه، مدير المعهد الدكتور في الموسيقى. لم يرضَ الطالب أن يكون عازفاً ينفّذ مدوّنات كتبها غيره. هذه إهانة.

هكذا، وطلباً للعُلى، سهر الليالي وكدّ وتعِبَ على وضع المقطوعة الموسيقية التي تخوّله نيل الشهادة التي ينتظرها صدر الدار بصمت. قبيل التقدّم إلى الامتحان، راح الشاب الطموح يحلم: تصفيق حاد، آلاف تهتف باسمه، شهرة تتخطى حدود التاريخ واسم عصيّ على الزمن، إلخ… كل هذه الغبطة أعدمتها علامة معدومة منحته إياها اللجنة الفاحِصة: واحد على عشرين! خرج من الصفّ، متوجّها أغلب الظن إلى أقرب معالج نفسي، مروراً بأحد أروقة المعهد حيث صادف تمثالاً نصفياً لبيتهوفن يزيّن المكان كما هي الحال عموماً في معظم المعاهد الموسيقية. توقّف التلميذ المهزوم أمام المؤلف الألماني ذي النظرة الحادة، مدّ رأسه صوبه قليلاً ودَنْدَن على «مسْمَعه» متهكماً مقهوراً، ومُمَيِّعاً حرف النون: «نَ نَ نَ ناااا»… مقلداً بذلك النوتات الأربع التي يستهل بها المؤلف الأصمّ سمفونيّته الخامسة، والتي تعتبر من أشهر النغمات في التاريخ رغم بساطتها ومحدوديتها لناحية عدد النوتات المستخدمة فيها (أربع نوتات) وتنوعها (نوتتان).

كان يقول بما معناه إنّ الجمهور بمجمله يشعر بشكل صحيح تجاه العمل

عظيمة هذه النكتة الموسيقية. فعدا عن الضحك التي ينتج منها — والضحك مقدَّس — تشرح دلالاتها كل المسألة المتعلّقة بالفارق الجوهري وغير القابل للتفسير بين اللحن البسيط واللحن التافه. بين اللحن البسيط الجميل الخالد واللحن المعقّد الفارغ العليل. والأهم أنها توفّر علينا، اليوم، في الذكرى الثلاثين لرحيل عاصي الرحباني (4 مايو 1923 - 21 يونيو 1986)، شرحاً لصفةٍ يتمتّع بها الأخير ويصعب تبيان ماهيّتها بالكلام، أمّا بالموسيقى فمستحيل.
لكن، هل يُعقل استهلال استعادة ذكرى رحيل كبير كعاصي الرحباني بنكتة وباستعداد للضحك وبرغبةٍ في الإضحاك؟ نعم، ولمَ لا؟ مجرّد أننا ما زلنا (وسنظل) نستعيد ذكراه، يعني أنه لم (ولن) يمت. وفي هذا فرح كبير والضحك أعلى أنواع الفرح، لأنه فرحٌ لاواعٍ في لحظات ذروته. إنه نوعٌ من الفرح لديه قدرة على تغيير ملامح الإنسان لشدّة كثافته. تماماً كالحزن اللاواعي، أي البكاء. المذهل أنهما يلتقيان أحياناً حيث يصبح البكاء الشديد مشابهاً في الصوت والصورة للضحك الشديد… وغالباً ما تنهمر دموعنا في نوبة ضحك.
بالبكاء، بالضحك، بحالة من اللاوعي نتذكّر من لا ننساه لحظة أصلاً. ها قد بدأنا بالوجدانيات على ما يبدو. لنعد إذاً إلى النكتة وتحديداً إلى تفصيلٍ مهمٍ فيها. هذا التفصيل هو أساس النكتة، بحيث أنه الضدّ الذي يصطدم بنقيضه لمفاجأة الدماغ وجعله «ينفجر» ضحكاً. والمقصود تحديداً الثنائية المؤلَّفة من العلامة المتدنية مقابل الجهد والتعب والسهر. بمعنى آخر، لو روَينا الطرفة ذاتها وقلنا إن التلميذ/الأضحوكة نال علامة عالية، لفشلت النكتة. لكن، بِجَدّ، ماذا يغيّر في واقع الحال لو أنه، في الحقيقة، نال عشرين على عشرين؟ لا شيء. المعيار ليس العلامة بل من يضعها. والعلامة على التأليف (وتحديداً في مجال التلحين… أي خلاصة خلاصات التأليف) لا يضعها سوى المجتمع بأكمله وعلى مدى سنوات. عاصي الرحباني هو الملحّن الذي نال وسينال أعلى العلامات على معظم أعماله (وعبارة «معظم أعماله» تنطبق على باخ وموزار وبيتهوفن شخصياً… ولا أحد في التاريخ تنطبق عليه عبارة «كل أعماله»). وهنا السؤال الأصعب: كيف يعمل المجتمع لوضع علامته؟ ما هي معاييره؟ عاصي يقول، بما معناه، إن الجمهور بمجمله يشعر بشكل صحيح تجاه العمل. ويقول أحد كبار صنّاع أغنية البوب الأجنبية الجيدة في العالم (وذلك في عصرها الذهبي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي) إنّ الجمهور ما انفكّ يفاجئه، فيعترف: «نعمل على أسطوانة من عشر أغنيات. نتوقّع النجاح للأغنية كذا، والفشل للأغنية كذا، فيحدث العكس! لم يحصل، على مدى عشرات الأسطوانات والسنوات، أن تشاركنا الرأي نحن ـ صانعي العمل وخالقيه ـ والجمهور… لكن، مع الوقت ندرك أننا كنّا مخطئين بتقديرنا وأن الناس تعطي الرأي الدقيق دوماً»! صحيح هذا الكلام، لكن يجب أن نضيف معياراً هاماً، وهو الوقت. إذ، قد يمنح الجمهور (وبالأخص أو تحديداً في فترات الانحطاط) تقديراً عالياً لتفاهةٍ ما. لكن لم يحصل في تاريخ الموسيقى (والفن) أن دام ذلك طويلاً. فالتقدير الآتي من مجتمع مهووس بالترفيه، مشكوك فيه من نفسه. بمعنى أن المجتمع ذاته سينفر، بعد حين، من عمل أحبّه، لمجرّد أنه استهلكَه. هذه حال مجتمعنا الآن، في لبنان والعالم أيضاً.
بين الموهبة والتعب والتفاني والعِلم والفطرة والسهر والصدق والإخلاص والإنسانية، حجز عاصي الرحباني خلوده بين أهمّ الملحّنين في التاريخ، على مدى العصور، في الشرق والغرب… اسمه الأخوين رحباني. لقبه فيروز. روحه زياد.
انسيرت: