مع مرض عاصي، ثم موته في 21 حزيران (يونيو) 1986 في «مستشفى الجامعة الأميركية» في بيروت، اهتّزت روح اللحن، وروح الكلمة، فيما بقي صوت السيدة مُدوّراً متكاملاً وشاعرياً، حتى في غنائها لزياد ذلك الكمّ الجديد من يوميات عشق لبناني، رقته ونفاد صبره وتحدّيه وحنوّه الى «عنتريات غرامية» لمحبين لبنانيين تحديداً.
اهتدى الى عروبية واسعة انطلاقاً من لبنانية بالغة الخصوصية

بعد موت عاصي، دُقّ ناقوس الخطر، ولاح بيّناً حال انسداد أفق. افضى فعلاً الى انهيار كبير بدل أن نقول انزياحاً، لنرى ونسمع بملء العين والسمع أفول مملكة ذات مغزى لبناني، لمّا أن ذلك الأفول قطع مع ذاكرة لبنانية اقتحمت عالم المستقبل. ذاكرة لبنانية فولكلورية، عربية تراثية.
عرف عاصي تماماً، ما يريدهُ من الموسيقى العربية. رأى شيئاً محدداً ومشى إليه، وأبصر ذلك الأفق العربي المنفتح بمعية صوت فيروز فذهب إليه باحثاً، مُهتدياً بالسليقة الشعورية العصبية. والنتيجة أنه اهتدى في نهاية الأمر الى عروبية واسعة انطلاقاً من لبنانية بالغة الخصوصية.
أخّوة عاصي ومنصور ليست بالضرورة أخوّة الصورة الواحدة ولا تطابقها. طبعاً من دون تلك الأخّوة ما كان للفن اللبناني شأنه الذي نعرف، سوى أن الفرق بين الإثنين موجود، فثمة تأثر منصور بالكلاسيك الشرقي والكلاسيك الديني المسيحي (لا تهجرني/ لا تنساني). كما عند منصور الظل الخفّي الى حد، للطابع المصري والطرب المصري (غالي الدهب غالي). عند عاصي تلك النسائج والوتائر التي محضها كل «عبقريته»، وعجنها بمخزونه وتأثراته وفيها احاسيس الناس ومخيلاتهم ورغباتهم («علموّني هنّي علموّني»، «نسّم علينا الهوى»، «بحبك ما بعرف هنّ قالولي»، «نسّم علينا الهوا») الى سواها من أغنيات طالعة من التربة الخاصة بنكهة عاصي وهذيان عاصي وحنان ورقة عاصي.
يصعب بعد موت عاصي (لا نريد هنا الدخول في متاهات الخلافات بين الأبناء والورثة) على المتتبعين والمهتمين بحال الغناء والموسيقى والكلمة، العربي واللبناني على وجه الخصوص، الوقوع راهناً على سوية ما، في عملية تراكم حضاري فنّي مُرتجى. ذلك أن الانقطاع بائن وجلّي ومُدوٍّ وصارخ، ومُفارق حتى اللحظة نال من كل الحيوية اللبنانية التي تهاوت كما لو فُرّغ داخلها، ومن عدم استفادتها مما تركهُ ذلك الرجل. بل الأصحّ كما لو أنها انقلبت على انجازاته في حركة قصدية تهدف الى تسطيح الفن اللبناني والعربي تالياً، بحجة جعل السائد المشوّش متماشياً مع العصر، ومفارقاً لتلك اللمعات الجمالية التي لن تتكرر بعد رحيل عاصي. ما نسمعه اليوم يبعث على الشعور بالغرابة بعبارة رقيقة لكي لا نُغالي، وبالقلق الذي يصل الى حد التجديف بأغلب المغنيين والمغنيات: الصوت، اللحن، الكلمة، الإحساس، المخيلة... ثم الانتماء، فلا تعرف الى ماذا ينتمي هذا الذي نسمعه، وهنا ميزة عاصي وتفرّده، معه تحس بدفء الوطن والحبيب والأشياء... والله.
بعد رحيل عاصي، ثمة ذلك التكرار عند الرحابنة، كمن يسرق الحانه نفسه ويكررها ويتعامل معها كأنها الحان غريبة عنه، يُعيد إنتاجها بوصفها الحاناً جديدة. بقي عاصي حتى اللحظة «المازورة» الفعلية التي قاست بها فيروز اختياراتها وإن أضاف زياد ذلك الكمّ من يومياتنا بصوت فيروز المغناج هذه المرّة، الشبابي والخارج عن الـ «ستيل» المعروف عنها مع الحفاظ على الروح الظليلة لمعاني القطع الأصلية وأزمنتها وإيقاعاتها الداخلية ومراميها الفنية والثقافية التي عمل زياد على تسجيلها (ما يقارب من عشرين أغنية مختارة من أرشيف عاصي وفيروز) تحت عنوان «الى عاصي».
بعد رحيل عاصي، فقدنا ذلك العنفوان، ولغة الجذور، والحب الذي يُذيب الأفئدة، ونسائم في القرى والسهول وبيوت القرميد وتلك الغصة القاتلة للشوق. وبقي لدينا ذلك الخلف غير الصالح من المغنين والمغنيات، والموسيقيين والموسيقيات، والشعراء والشاعرات الساعين الى قتل الإبداع بكل ما أوتيت حناجرهم من وعيد. وبكل تلك المكابرة على انعدام الصدق والموهبة.