«هيئتك حمار بالألوان»، أولى العبارات الحميمة التي توجه بها لي عاصي، فكسر بسخريته المحببة هذه، حاجز الرهبة بيني وبينه يوم استضافني للمرة الأولى للمبيت في منزله.

«مات المرجع المعيار» آخر عبارة سمعتها عن عاصي. قالها لي مروان منصور الرحباني، يوم وفاة عاصي سنة 1986. ثم شرح قائلاً: «بكرا شوف كيف رح يفرخوا المطربين وتصير القيم الفنية مسخرة. راح المرجع».
وما بين العبارتين، امتدت رحلة معرفتي بعاصي لسنوات قليلة، لكنها أغنت تجربتي الإنسانية والفنية. كما تخللتها محطات ومواقف أغنت معرفتي بسر عبقرية هذه الشخصية الفذة.
1- في أول ليلة من فترة استضافتي في منزل عاصي، دعاني ممازحاً، قبل العشاء، لدخول غرفة نومه لنفتح خزانة ملابسه كي يمتحنني بألوان ربطات العنق التي كان يحتفظ منها بالعشرات مرتبة وفق ألوانها. فسألني «ما لون هذه الكرافات؟». وكانت زرقاء، فقلت: «زرقاء». ثم سألني عن التي بجانبها، وكانت زرقاء، فقلت: «أيضاً زرقاء». قال: «لا»، ثم أغلق الخزانة، وقال «هيئتك حمار بالألوان، كل أزرق وله اسم، إمشي ناكل هلق، خلينا نشوف ذوقك بالأكل، الألوان متل النغمات تتشابه، لكن لكل واحدة اسم». فقلت في نفسي «العبقري يجب أن يعرف أسماء الألوان».
2- صباح اليوم التالي وبعدما جهزنا للخروج من المنزل، قال لي: «لوين هلق؟». وبما أني كنت عارفاً بموعد لنا في مقهى «الحلبي»، قلت: «عالحلبي؟». قال: «لأ، ما حزرت، بالأول عند إمي». دخل عند أمه، قبّل يدها وسأل خاطرها، فدعت له بالتوفيق وكولد صغير طلب منها السماح بالمغادرة. في السيارة، بعد خروجنا، نظر إليّ وقال، كأنه يجيب على نظراتي المستفهمة: «الفنان، يا فايق، ما بيكبر، أنا بحس الناس كلها أكبر مني». فقلت في نفسي «العبقري يجب أن يحتفظ بالولد في داخله».
3- ذات يوم، مر بنا شخص سلَّم على عاصي بحرارة. وبعد حوار قصير، مد يده لجيبه وناوله عشر ليرات، فانصرف الرجل، قلت له لماذا أعطيته عشر ليرات وهو لم يطلب، قال: «أحسست أنه بحاجة لها وهو قد أخذها بدون تردد، ما بدو يذل نفسه، المال ليخدمنا مش لنخدمه». فقلت في نفسي «العبقري يجب أن يكون كريماً ولا يسمح للمال بإذلاله».
4- أثناء ذهابنا لقضاء ليلة الميلاد عند شقيقه الياس في النقاش سنة 1981، أوقفنا حاجز أمني تابع لقوى الأمر الواقع حينها، والتي كانت تتعاون مع العدو الإسرائيلي. تفحص العنصر الأمني الشاب وجوهنا، ثم طلب تذكرة هوية عاصي، فقلت له مستغرباً: «هذا عاصي الرحباني». فأجابني العنصر بعصبية: «بدي هويته، مين ما كان يكون». ناوله عاصي بطاقته قائلاً: «خود يا إبني». تفحص العنصر البطاقة، ثم أعادها بعصبية. بعدما غادرنا الحاجز، قال عاصي، ساخراً: «زمطنا.. طلع ما بيعرفني». فقلت في نفسي: «العبقري هو من يسخر من شهرته».
5- خلال دعوة للعشاء مع السفير الليبي، آنذاك، السيد عبد القادر غوقة، قال الأخير إنّ الأخ القذافي يرغب بدعوة الأخوين رحباني لزيارة ليبيا. سأل عاصي أخاه منصور: «شو قال؟». أجابه: «دعوة لزيارة ليبيا من الأخ معمر». قال عاصي: «بروح.. شرط تكون تذكرة سفر ذهاب وإياب». فقلت في نفسي «العبقري لا يأمن لأهل السياسة».
6- خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وكنت في شارع الحمرا، اتصل بي منصور قائلاً: «عرفت شي عن زياد؟ عاصي رح يخوت، قال صار معركة تحت بيت زياد، الله يخليك، روح اطمن على زياد وخبرّني، عاصي حاكمو نوبة قلق». وكنت أعرف هذا القلق، فذات ليلة أيقظني من نومي صارخاً: «يا فايق، بدن يحبسوني». وظل يرددها حتى اتصلت بمنصور الذي قال لي: «اعطيني ياه وروح نام، حاكمو نوبة قلق، فيروز مسافرة الليلة وهو بيخاف من الطيارة». فقلت في نفسي: «العبقري يجب أن يكون قلقاً على من يحب».
7- دعاني لتناول الغداء، ذات يوم من أيام احتلال بيروت، في مطعم «الحلبي»، وكان الإسرائيليون يسرحون من الجنوب حتى البربارة شمالاً، ونحن في المطعم، بدا عليه القلق. قال: «أنا خايف، الإسرائيلية بدن يقتلوني». قلت: «ولماذا يقتلوك؟». قال: «شو نسيت؟ أنا أول واحد عمل أغاني للفلسطينية». قلت: «زهرة المدائن؟». قال: «لأ.. سنرجع يوماً... هيدي أخطر». ثم طلب أن نغادر لأنه اشتبه بكون أحد الزبائن إسرائيلياً، ولا زلت أذكر هذا الزبون صاحب الشعر الأحمر. قلت في نفسي: «العبقري يعرف عدوه».
8- بعد رحيل عاصي، سنة 1986، اتفقنا، مع منصور، على مواكبة النعش من مستشفى الجامعة الأميركية سوياً إلى إنطلياس. بعد الصلاة على الفقيد في المستشفى، انتقلنا بالسيارات نحو انطلياس. وبوصولنا إلى منطقة جامع عبد الناصر في كورنيش المزرعة، أوقفنا حاجز لقوى الأمر الواقع، التي كانت تحارب المشروع الإسرائيلي، والذي كان يقفل معبر المتحف، ولم يسمح بمواكبة النعش إلا لشخص واحد. ولما قلت لمسؤول الحاجز: «هذا عاصي الرحباني». أجاب: «ممنوع.. مين ما كان يكون». قلت في نفسي: «العبقري هو من يُغتال بعد موته». واليوم وبعد ثلاثين عاماً من رحيل عاصي، وبعدما امتزجت الألوان فكثر «الحمير» واختلطت علينا الأنغام فكثر الزعيق، أقول: «نعم يا مروان، صار كل ديك صيّاح مرجعاً».
واليوم، وبعدما انتقل عناصر الحواجز الأمنية لمواقع في السلطة، أتساءل من يحمي الولد العبقري، الساخر، الكريم، المحب، القلق، الذي كان يعرف عدوه، من جماعة «مين ما كان يكون»؟
كان عاصي يردد: «الموت قرار يتخذه من ملَّ من الصغائر وقرر أن يتوجه نحو الكبير».

* ممثل ومخرج مسرحي لبناني