حالما باشر نجوم الدراما السورية قراءة أدوارهم في «أحمر» (تأليف الزميل علي وجيه ويامن الحجلي، وإخراج جود سعيد) بادر بعضهم إلى الإشادة بخصوصية الورق المكتوب، وجدّة النص وطريقة كتابته وعنايته بالتفاصيل (الأخبار 26/1/2016) كذلك توسّم بعضهم خيراً بالمخرج جود سعيد كونه قادماً من السينما. لكن النتيجة جاءت مخيّبة بكل المقاييس.

استبق المخرج الأحداث بضربة واحدة ليطيح بأي تفاؤل عند نجوم المسلسل أو مشاهديه القلائل، عندما أطلّ مطلع رمضان على «الميادين» (برنامج «مترو» تقديم ريحان) ليحكي عن احتقاره للتلفزيون، واستحالة أن يكون المسلسل ضمن مشروعه الفني. ثم أردف أنّه تدخّل في النص كي يكون المشروع مشابهاً له. كأنه يقول إنّه المسؤول الوحيد عن النتيجة التي ستظهر، ولا يهمه شيء. لكن لا نعرف إن كانت النتيجة الهزيلة مرضية لربّانها الذي غمز في لقائه إلى أنه يطل من التلفزيون، عساه يصنع شهرة واسعة أو رزقاً وفيراً، من دون أن يتعاطى مع الدراما التلفزيونية بالحد الأدنى من الجدية واعتبارها مشروعاً فنياً، أو يفهم منطق العمل الذي بناه الكاتبان الشابان بالإفادة من البحث في الأفلام العالمية، التي تعتمد آلية الفلاش باك لأزمنة متعددة بطريقة مدروسة. إذاً يبدو واضحاً الخلاف الجوهري في طريقة التفكير بين كاتبي المسلسل ومخرجه. لذا، فالفشل في صناعة مسلسل، والاستعاضة عنه بـ «كارثة تلفزيونية» يعتبر نتيجة منطقية لما سبق.

معطيات مشتتة، تائهة، غير مترابطة ولا متجانسة

القصة تصدّت لفرضية حساسة تبحث في ماض قاض فاسد اسمه خالد العبد الله (عبّاس النوري) وجريمة قتله، وتولي صديقه العميد في الأمن حليم (رفيق علي أحمد) البحث في خفايا حياته، ثم اقتحام الصحافية سماح (سلاف فواخرجي) خبايا الفساد، ومواكبة مستجدات الجريمة في محاولة لكشف ملابساتها، من دون نجاتها من المافيات الاقتصادية التي تعيث خراباً في البلاد، وتماسها المباشر مع لغز القاضي القتيل. كل تلك المعطيات ستظهر مشتتة، تائهة، غير مترابطة أو متجانسة. والخلاصة غرق «أحمر» في سرديات متداخلة بطريقة ضائعة، كأنه لم يكن هناك مخرج خلف المونيتر من الأصل، حتى وصل الأمر إلى محاولات بائسة للدلالة على الزمن الذي تدور فيه الأحداث، من خلال التحكم بألون الصورة، أو كتابة الزمن بشكل صريح على الشاشة طيلة فترة الحدث. هكذا، ستنتهي الحلقة من مكان وتبدأ في آخر، فضلاً عن إعادة اللقطات ذاتها مرّات عدة، كأنه لم يصوّر من النص سوى جزء بسيط. ولم يكن ينقص سوى تعليق صوتي دائم للمخرج يشرح لنا ماذا يحصل، وإلى أي زمن وصلت قصته، تماماً مثلما كانت تفعل الكتب المدرسية عندما تضع شرح مفردات تحت نصوص القصائد الجاهلية.
على ضفة مقابلة، لم يوفق المخرج في اختيار ممثليه خاصة النجمة سلاف فواخرجي الصحافية المتحمسة لكشف الحقيقة من دون أن يبتعد عنها الحب كنوع من البهارات الرديئة على الحكايات البوليسية. كان منطقياً أن يذهب الدور لممثلة عشرينية عساها تقنعنا أكثر بالشخصية (علماً أن لا إذاعة خاصة في سوريا تصدّت للتحقيقات الاستقصائية). إلى جانب ذلك، نشاهد للمرة الأولى فروع أمن «سويدية» تدير عملها في سوريا. ضباطها وعناصرها ينضحون طيبة، ويبرعون في صياغة الكوميديا، ولا يتوقف التهريج في ممرات الفرع، كأنّ صنّاع العمل لا يعرفون شيئاً عن فروع الأمن السورية، فيما يبدو التقاطع الشديد بين شخصية الضابط عاصي (يامن الحجلي) والمقدّم رؤوف (عابد فهد) في ثلاثية «الولادة من الخاصرة» (لسامر رضوان ورشا شربتجي وسيف الدين السبيعي).
لا يمكن لمسلسل مهما كان براعة كاتبه أن يقدم مجموعة كبيرة من الأزمنة وفق منطق تداخل الفلاش باك لصعوبة الضبط المتتالي في 30 حلقة كما يحصل عادة في السينما. لكن ربما يعتبر فيلم La Môme الذي يحكي سيرة إديث بياف أبرز الأمثلة الناصعة على تداخل الأزمنة المنسجم والمدروس.