مرّ أكثر من نصف شهر الصوم، ولا يزال مسلسل «وين كنتي» (كتابة كلوديا مرشليان، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج «مروى غروب») يُحافظ على المرتبة الثانية بين الأعمال المعروضة على الشاشات المحلية. تدور أحداثه حول زواج «رمزي» (نقولا دانيال)، الأرمل الستّيني، بـ «نسرين» (ريتا حايك) التي تصغره جداً في السن، بعدما كرّس حياته لولدَيْه التوأم «جاد» (كارلوس عازار) و«جينا» (آن ماري سلامة) بعد وفاة زوجته «ناديا». يُحاط حفل الزفاف بسريّة في أوساط العائلة الصغيرة، لتُمثّل هذه الخطوة المستغربة صدمة كبيرة للابن الذي يرفض تقبّل الواقع الجديد. حبّه الشديد لأمّه التي ماتت غرقاً في النهر وهي تحاول إنقاذه يصعّب عليه تقبّل أي امرأة جديدة تحل مكانها، فكيف إذا كانت صبية وجميلة؟ من الواضح أنّ الشاب الذي يعمل في مجال تصميم المجوهرات والعاشق للأحجار الكريمة يعاني أزمة نفسية تستحوذ عليه بسبب فقدان والدته بهذه الطريقة البشعة. هكذا سنرى «جاد» عدائياً وعصبياً معظم الوقت، وحائراً في كيفية التعامل مع زوجة أبيه التي من الواضح أنّها ليست سيئة واستغلالية كما يظن. الانزعاج من الزواج ينسحب أيضاً على مختلف أفراد العائلة، ولا سيّما الخالتان «هند» (جناح فاخوري) و«ليندا» (أنطوانيت عقيقي). الأولى تكشف لزوجها «أسعد» (جان قسيس) حقيقة تعرفها منذ زمن طويل، وهي أنّ «رمزي» عاقر، وأنّ «جاد» و«جينا» هما نتيجة اغتصاب تعرّضت له «ناديا» ولم تُطلع عليه زوجها المحب. تعلّق «جاد» بذكرى والدته وخوف «هند» من أن يكتشف «رمزي» الحقيقة حين يحاول الإنجاب من زوجته الصبية، وغيرهما من العوامل تدفع الجميع إلى خوض معركة التخلّص من العروس اليافعة. لكن مع مرور الوقت، يبدأ الكل التعرّف على الوجه الحقيقي لـ «نسرين»، الفتاة البسيطة الآتية من بيئة فقيرة، وعائلة مثقلة بالمشاكل والتعنيف والمشاكل. جلّ ما تريده هو العيش بـ «سلام وهدوء وراحة بال، بعيداً عن وجع الرأس»، كما تردّد مراراً، كما أنّها من مؤسِّسات «جمعية حقوق المرأة». إنّها بعيدة عن عائلتها الصغيرة المؤلفة من أخويها (الأكبر (هاشم) يعاني مشاكل نفسية كبيرة بسبب هرب زوجته ومعها طفليهما، والأصغر (طارق) يعمل في كاراج لتصليح السيارات متحمّلاً مسؤولية العائلة مادياً)، وأمّها (رندة كعدي) التي يزعج «نسرين» سكوتها الدائم على ممارسات الأب المعنّف، والأب الهارب منذ ولادة «طارق».

الجانب الطيب والمحب من شخصية العروس يتضح أكثر مع تأزّم وضع «جينا» النفسي، بعدما تمتنع عن تناول دوائها لتتمكن من الإنجاب من زوجها الإنتهازي والمعنّف أيضاً (طوني عاد). تصرّ «نسرين» على المساعدة بسبب خبرتها في هذا المجال ولأنّها «تعرف هذا النوع من الرجال جيّداً». هنا، يرتاح لها «جاد» أكثر ويتعاونان لإنقاذ «جينا» التي تؤدي دورها آن ماري سلامة بإتقان.
لكن علاقة الحب الجميلة بين «جاد» وخطيبته «سيلا» (جويل داغر) تجنح نحو التأزّم، إذ من الواضح أنّ المذيعة الأنيقة بدأت تغار على حبيبها. غيرة لا شكّ أنّها في مكانها، فبوادر العلاقة «المحرّمة» التي ستجمع لاحقاً بين الزوجة وابن زوجها تقترب من البداية.
يُحسب لكلوديا مرشليان أنّها خصّصت مساحة كبيرة في هذا المسلسل لمعالجة قضية التعنيف المتفشية في المجتمع اللبناني، إضافة إلى تخلّص نصّها إلى حد كبير من الوعظ والمصطلحات البعيدة عن الواقع التي عادة ما تظهر في غالبية أعمالها، كما حدث العام الماضي في «أحمد وكريستينا» (إخراج سمير حبشي، إنتاج «مروى غروب» ــ «الجديد») مثلاً. في هذه التجربة التي تجمعها مجدداً بسمير حبشي، خطوط درامية عدّة تتداخل بتناغم أحياناً، وبافتعال في أحيان كثيرة أخرى. رغم أنّ هذا الأمر ليس ضرورياً على الإطلاق في مسلسل يستقي عناصره من صميم الواقع، لا بل يُنهك الحبكة ويشوّش المشاهد.
يتميّز كارلوس عازار بأدائه المقنع والعفوي مئة في المئة، الأمر الذي انسحب كذلك على أداء ريتا حايك التي سبق أن أدهشتنا العام الماضي على خشبة المسرح في «فيونس» للمخرج اللبناني جاك مارون. صحيح أنّ ما تقدّمه ريتا على الشاشة اليوم ليس إستثنائياً، لكنّه بالتأكيد طبيعي ومُحكم. من الظلم مقارنة إطلالتها التلفزيوينة في رمضان 2016 بتلك المسرحية في 2015، فلكل منهما متطلّباته، كما أنّ شخصية «نسرين» أساساً لا تستلزم الكثير من الجهد، لأنّها بسيطة وواضحة رغم كل المشاكل التي تعانيها. حتى الآن، نجحت ريتا في إيصال الشخصية بالطريقة المطلوبة إلى الجمهور، وعلينا أن ننتظر تطوّرها في الحلقات المقبلة حين ستشعلها نار الحب.
أما جويل داغر، فهي لا تزال تشبه نفسها في أعمالها السابقة مثل «اخترب الحي» (2014 ــ جيسيكا طحطوح) و«أجيال» (2010 ــ إخراج فيليب أسمر) و«الحرام» (2016 ــ إخراج إيلي معلوف)... حافظت هذه المرّة على وجودها في «الخانة الآمنة» تمثيلياً، من دون أن يخلو الأمر من بعض التعابير الباردة، وإن كانت أقل من المعتاد. ربّما يعود الفضل في ذلك إلى طريقة إدارة سمير حبشي للممثلين، وهو الذي نجح كالعادة من خلال كاميراته في إظهار جمال المناظر الطبيعية والديكورات والكادرات.

*«وين كنتي»: يومياً ــ 21:30 على lbci وLDC