في العام الماضي، تنافست «كلاكيت» (إياد نجّار) و«سما الفن» («سوريا الدولية» سابقاً) على تحويل ثلاثية «العرّاب» للمعلم فرانسيس فورد كوبولا (نقلاً عن رواية ماريو بوزو)، إلى مادّة تلفزيونية سورية. خرجت «سما الفن» خائبةً بعدما قدّمت عملاً متهاوياً، فأقفلت ملفّ هذا المسلسل الذي كان يُفترض أن تقدّم منه جزءين لاحقين. في المقابل، تمكنت «كلاكيت» من صياغة مسلسل جيد (إخراج حاتم علي) حقق حضوراً مميّزاً في جزئه الأوّل. كان أداء جمال سليمان لافتاً في دور «أبو عليا» بعدما خلط في شخصيته مجموعة كبيرة ممن يعرف في سوريا بـ «الحرس القديم». إلا أنّ النص غرق يومها في مطوّلات وثرثرات ونخبوية تنظيرية لا تتفق مع حالة الدراما التلفزيونية. كذلك، أسهمت محدودية مواقع التصوير في هروب الكاميرا نحو الأماكن المغلقة واللقطات القريبة، واللعب على حلول إخراجية توحي للمشاهد بأن القصة تدور بين دمشق والساحل السوري، وبالتالي تراجع الحدث وغاب التشويق الكافي.

هذا الموسم، كان الميدان خالياً من المنافسة لـ «كلاكيت». لكن مشكلتها كانت في من يكتب لها نصاً يتخطى عيوب الجزء الأول. تشير المديرة التنفيذية لـ «كلاكيت» سارة دبّوس في حديثها معنا إلى أنّه «لدى تأخّر وصول الحلقات من كاتب الجزء الأول، أرسلنا خطاباً نطلب فيه الإلتزام بالزمن، لكننا فوجئنا باستلام عدد قليل من حلقات لا تتلافى عيوب نص الجزء الأول ولم تلق موافقة المخرج، فارتأنيا استبدال الكاتب للبحث عن المصلحة الأفضل للعمل». طبعاً كلّ ذلك كان في سبيل الوصول إلى مادة ناضجة تمكّن حاتم علي، أحد أبرز مخرجي الوطن العربي، من صناعة عمل سوري خالص سبقته سمعة لا بأس بها ويتمتع بفرصة تسويقية مهمة لكونه يعرض على كبرى المحطات العربية («أبو ظبي» و lbci). هكذا جالت «كلاكيت» بمشروعها على أكثر من كاتب حتى اتفقت مع الروائي والسيناريست المعروف خالد خليفة، فاستعان برفيقه أحمد قصار وهو صاحب موهبة واعدة في الكتابة للتلفزيون. وصلت الحلقات بالتتالي، وفق المنطق الذي اختاره مخرج «ثلاثية الأندلس». وبشق النفس، تمكّن من إنهاء التصوير أول من أمس بعدما تابع الجمهور نصف حلقات العمل.
منذ البداية، أعاد الجزء الثاني («العرّاب- تحت الحزام») الأمور إلى نصابها، فأطاح بضربة تحت الحزام «يامن» (أدى دوره رافي وهبي في الجزء الأوّل). مات يامن بعدما تعرّض مع رجال «العراب» لكمين محكم، ثم انطلقت الحكاية بالاتكاء على الفرضية الأصلية في الجزء الثاني من الفيلم الشهير، أي مع تولي «مايكل كورليوني» (آل باتشينو) إدارة العائلة الحاكمة بأمر الصفقات المشبوهة والعلاقات غير المشروعة، كونه اليد الوحيدة النظيفة ضمن مستنقع الفساد الذي يحيط به. المعادل السوري هنا كان شخصية جاد التي يؤديها باسل خيّاط. يقدّم الأخير أداء باهراً كمن يرسم على الرمل، وبثبات واتزان وثقل واضح مستفيداً من موهبته والكاريزما الخاصة التي يتمتّع بها. رغم صراع جاد مع مبادئه وتفاجئه بما يحدث حوله، يقرر أن يدير اللعبة ويجلس خلف مكتب «العراب» بعد أن يتوئم سلطته مع مال الطبقة الدمشقية المحافظة بزواج «بزنس» توافقي. يجول شقيقه الأكبر قيصر (باسم ياخور) على هواه، فيضرب ويقتل وينهب ويسرق ويدير بأذرعه المتعددة ميدان الفساد، وبأسلوب تمثيلي متقن ليس غريباً على نجم «ضيعة ضايعة». على ضفة موازية، ينتزع حاتم علي لنفسه مساحة تمثيلية كبيرة بدور «نورس» المثقّف والروائي الذي دفع ثمناً باهظاً، تمثّل في اعتقاله نتيجة فعلته الإنسانية وإيوائه ابنة أبو عليا المصابة بتخلف عقلي والتائهة في عشوائيات دمشق. في هذا الجزء، تشهد حكاية نورس تحديداً اختزالاً مكّثّفاً وارشفة ذكية، لعلاقة واقعية ربطت في الماضي القريب كماً من المثقفين السوريين مع أبناء المسؤولين النائمين على إمبراطوريات مالية يجرّبون بذريعتها اقتحام عالم الصحافة والثقافة والفن. لذا، كانوا يستعيضون عن جهلهم وفهمهم المريض للحياة، بخبرات ومعرفة هؤلاء المثقفين الذي طالما وقعوا بين باب الحاجة الملحّة للمال، وقفل المبادئ التي لا تسمح لهم بالعمل لدى لصوص ابتلعوا البلاد. للمرة الأولى، تترك جيني إسبر اقناعاً شبه كامل بأدائها التلفزيوني وهي تؤدي دور ابنة المسؤول الكبير ومالكة مجلّة غنية. طبعاً يذكر السوريون جيداً دور النشر وشركات الإنتاج والصحف والمجلات والمؤسسات الإعلامية التي افتُتحت منذ مطلع التسعينات حتى نشوب الأزمة على أيدي أولاد كبار المسؤولين في الشام وتوظيفهم عدداً من المثقفين كواجهة تواري الفساد وتبييض الأموال! إذاً يبني «العراب- تحت الحزام» صورته بواقعية شديدة، وإن بطريقة اللعب في الخطوط الخلفية والإسقاطات التي لا تحتاج إلى ذكاء خارق لاكتشاف مدلولاتها وفضح حيتان المال الحقيقيين الذين خربوا البلد وجلسوا على ركامها أو نقلوا البندقية من كتف إلى أخرى وأصبحوا «نجوم المعارضة»! العمل يعدّ من أهم ما أنتجت الدراما السورية هذا العام. ورغم المآخذ الكثيرة عليه، يمكن التغاضي عنها لمصلحة النية الجادة في صناعة مسلسل عليه القيمة ونحن نعيش موسم الهبوط الكبير.

* «العرّاب- تحت الحزام»: 21:00 على «أبو ظبي» ـــ 18:10 على lbci