«كل شيء له حياة، يكبر» بهذه الكلمات قدّمت سلوى روضة شقير منحوتتها عام 1983، وسط ازيز مروحيات الجيش ورذاذ من بتلات الورود. تلك المنحوتة التي تألّفت من ستّ وحدات، كانت تتميز بإمكانية أن تكبر من خلال زيادة عناصر مركبة وفق معادلة دقيقة ضمن الوحدات الموجودة أصلاً. يومها، قالت شقير إنّها لا تنظر إلى المنحوتة بوصفها كتلة جامدة، بل مادة حيّة، موضحة أنّها وافقت على إنجاز هذا التجهيز لأنّه يلتقي مع رغبة الموكلين في الإعمار والتفاؤل بالحياة. حصل ذلك في بيروت 1983، وتحديداً في إحدى المستديرات في الرملة البيضا التي كانت جبهة شهدت مواجهات عنيفة في الغالب بين حركة «أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي». اختفت المنحوتة لاحقاً في ظروف غامضة. وحده التحدي الذي رفعته شقير بأنّ الفن يعيش ويكبر، ظلّ حاضراً في ماكيتاتها الفنية، وآلية عملها، وممارساتها في المجال المكاني، وكتاباتها عن تاريخ الفنّ والنظر اليه.

من أولى المبادرات الفنية العامة التي قامت بها شقير تنظيم محاضرات عن الفن لصالح «النادي الثقافي العربي». كانت تقيّم الفنّ وفق علاقته بـ «شخصية» ثقافة معينة، أكانت المصرية القديمة، أو اليونانية، أو القروسطية، أو الفرنسية، أو الأميركية، أو العربية، مشددة على أنّه يجب أخذ كل واحدة ضمن سياقها الخاص. مع انخراطها في كتابة تاريخ الفن، انكبت على استنباط متأن لمعجم يميّز بين «زمن» و«تسلسل» لفهم التاريخ: المفردة الأولى تعني «التوارد»، بينما الثانية تشرح الشروط المسبقة والنتائج. انطلاقاً من تمسكها بمفهوم النسبية الثقافية، شددت في محاضرات «النادي الثقافي العربي» وفي كتاباتها اللاحقة على أنّه لا يمكن شرح اللغة البصرية لثقافة ما أو منجزها وفق التسلسل التاريخي المنطقي. وإذا كانت شقير قد قطعت الصلة بين مفهوم التاريخ والتقدّم، فهذا لكي تعيد الطابع السياسي عليه: ما كانت مهتمة بتحديد الأفعال بوصفها منجزة أو مستمرة، بل بتحديد وسائل توالدها، وانطلاقاً من ذلك تحميل الناس الذين يعيشون في الحاضر، المسؤولية عما ينجزونه في حياتهم.
وكما في كتاباتها، كذلك في أعمالها الفنية. لم تتعاط شقير مع الأفكار كسلسلة، تستجيب مباشرة للأحداث والتطورات الراهنة، أو تبنى تدريجاً من مشروع إلى آخر. بل إنّها واصلت الاشتغال المتكرر على المواد، ومراجعة أفكارها، معيدة استكشافها من زاوية جديدة، وبوسائط، وفي ظروف وأبعاد جديدة. وهذا ما يفسّر سبب عدم تورخة أعمالها، إلا حين تحضّر لمعرض كل عشر سنوات. كذلك، امتنعت عن الالتزام بالتصنيفات الصارمة الخاصة بالمجال المكاني كالفضاء «المنزلي»، و«الخاص»، و«العام»، و«المحلي»، و«الكوسوبوليتي». وكما أوردت لورا متزلر في دراستها الباهرة عن مشوار شقير، فإنّ عملها شيّد «بيئةً من الفن». ومثلما أوضح جاك الأسود ببراعة: «فإنّ لوحتها أو منحوتتها، بتأثير من فن العمارة على الأرجح، هي نظام من وجهات النظر». أكان نصباً منتصباً وسط الزحام عند مستديرة ما، أو سجادة تستقبل المدعوين على العشاء، أو خاتماً في يد ممتدة للسلام، فإنّ فنّ شقير يدفع المتلقّين إلى تنشيط الوعي الذاتي لتجربتهم مع العمل الفني.
وصفت شقير والنقّاد الفنيون الوحدات التوالدية في فنّها بأوصاف عدة مثل «تنميط»، و«معادلات»، و«هندسيات»، و«بيوت شعر»، و«جينات». المهم أنّ هذه الوحدات ليست تصويرية بمعنى تشخيصية، ولا تتلاشى عن الانظار بسبب تذكيرها الناظر بشيء قد رآه في مكان آخر. ليس هناك تمثيل، ولا تشخيص، ولا سردية. أنجزت شقير تكويناتها بمروحة من المواد. في الغالب، تبدأ باسكتشات ثنائية الأبعاد، قبل أن تزيدها وتوسّعها لتصبح مجسمات صغيرة تشكّل أعمالاً «مفهومية» قد تنفذها لاحقاً بالخشب، أو الحجر، أو المعدن، أو الألياف الزجاجية (فايبر غلاس). يمكننا تسمية أعمالها بـ «الاكسير التشكيلي» نظراً إلى كيفية اكتنافها عملية النمو عبر وضع الأشكال في تفاعل، ودعوة المتلقي إلى التفاعل معها. مثلاً، عملها DNA Section (1980 ــ 1983)، كناية عن قطعة خشبية تصعد بشكل لولبي من قاعدة مربعة لتأخذ شكلاً مستطيلاً يبدو ناعماً من جانب، ومتموجاً من جانب آخر. هذا التضاد الحاد يولّد انعكاسات مختلفة للضوء، ما يخلق إحساساً بانعدام التوازن، فنعومة هذا الجانب توحي بأنّ الجانب المتموج ما زال ينتظر اكتماله بعنصر آخر لا نراه، لكننا نختبره بشكل عميق.
الجمهور عنصر أساسي في عملية التفاعل في فنّ شقير. إلا أنّ هذا الجمهور المدعو إلى حيز الوجود، لا يستطيع الاتكال على مخزونه المعرفي لإيجاد معنى لهذا الفن وتفسيره. عليه أولاً أن يعي لذاته بوصفه وحدةً مولدةً للمعنى. أسمّي ذلك «الرؤية الواعية». إذا كانت الأعمال «اكسيراً تشكيلياً»، فتجربة الاحتكاك بها، يجب أن تحيي المتلقّين الذين انزلقوا ربما إلى خطابات نمطية عن حياتهم، وهي تسلسلات فكرية منطقية لا تمت إلى العصر الراهن. لقد شيّدت شقير عالماً يُشعر المتلقين بأنّهم مسؤولون عما يرونه، ويدركون أنّ هذا العالم موجود فعلاً طالما أنّهم يحسّون هم بوجوده. إذا لم يكن هناك من معنى قبل هذا التفاعل مع الجمهور، فإنّ لا نهاية للمعاني المتأتية من «النهاية المعلقة» على حد تعبير شقير. هذا الفن متبحر بعمق في فكر الفلاسفة العرب، مثل ابن الهيثم والمبادئ الصوفية. لكن بتوقه إلى جوهر الحقيقة الكونية، فهو لا يقتصر على هذه المنابع وحدها.
إذاً، ماذا نفعل بأعمال شقير الفنية وكتاباتها اليوم؟ لاحظت وجود نوع من النفاق بين الرعاة الذين يقدّرون عمل شقير، ويدرجونه ضمن تاريخ الحداثة في العالم العربي. أنا أيضاً أتحمّل جزءاً من اللوم لأنني توليت مع زميلة تنسيق معرض بعنوان «حداثة تاريخية» لصالح منصة ArteEast وضمّ أيضاً أعمالاً لشقير. لكن بالإصرار على إدراج عمل شقير في التاريخ، فأنا أرفض فكرة أنّ فنها يخلق عالماً خالياً من أي زمن تسلسلي، عالماً «بلا نهاية». أعرف جيداً كيف أربط عمل شقير بحقبة الانتداب، التي شهدت مرحلة تدرّبها الفني، حين كان الفنانون الوطنيون يوظفون ممارساتهم في سبيل الاستقلال، أو ربطه بمدرسة الأهلية التي تولت تعليمها بذلك المزيج الخلاق من العلوم الطبيعية، والأدب، والفلسفة، والمهارات اليدوية، والاقتصاد المنزلي وتعدد اللغات. لكن هل أستطيع إيجاد الصلات التي تربط فنها بالحاضر؟ أو هل أستطيع انا (وكل من يعمل في حقل الفنون المعاصرة اليوم) تعلّم عن حياتنا الراهنة انطلاقاً من فنها؟
بدلاً من إشاحة النظر عن فن شقير الى مصدر أوْ نية ما، علينا أن نتعلّم النظر انطلاقاً منه إلى عالمنا. في هذا الزمن الذي يشهد انتشار المؤسسات الثقافية، ليكن عمل شقير دليلنا لإعادة التفكير في دور المؤسسات الثقافية نفسها. لا يمكن أن تكون مهمّتها «مَتحَفة» إرثنا الثقافي، فهذا تكريس فاقع للفكر الارتقائي الذي أدى إلى الاستعمار والتراتبية الحضارية. إذا كان العمل الفني يعلّمنا مفاهيم مختلفة عن الوقت الزمني والمجال المكاني، لنعد تنظيم مؤسساتنا على هذا الأساس. وإذا كان الفن يعلّمنا أن لا معنى إلا من خلال التفاعل، فالتفاعل مغامرة يجب خوض غمارها. لا يمكن بتاتاً متحفَة الفنّ الذي يقوم على عملية التفاعل واختبار الظروف التشكيلية بهدف توالد الأفكار. بالعكس، أمام هذا الفن، علينا أن نغير المؤسسات التي يقتصر دورها على المتحفة. فإذا جمّدنا فن شقير بوضعه الحالي، سواء كان عملاً من الطين أو الغواش، فهذا يعني نفي وجوده من الأساس. أجزم انّ التحدي اليوم يكمن في تنشيطنا وحثنا على يد «النهاية المعلقة» التي أطلقتها شقير. إذا كان العمل الذي وجدت فيه شقير حيويةً وحياةً، لم يكبر ويواصل نموّه، فهذا خطأ تقع مسؤوليته على نظرتنا المميتة وحدها!

* اختصاصية في الفن العربي الحديث وأكاديمية في «الجامعة الأميركية في بيروت»
* تتولى شايد مساء اليوم (بدءاً من السادسة) إدارة طاولة مستديرة في «متحف سرسق» حول فن شقير تجمع الاختصاصي في العمارة جورج عربيد، والمؤرختين والمنسّقتين الفنيتين كلير دافيس وريم فضة.