لم تقدم الفنانة سلوى روضة شقير (1916) أعمالها الأولى في محطاتها الفنية اليانعة. منذ بداية موهبتها، تتلمذت على يد عمر الأنسي، ومصطفى فروخ. هذا ما قادها في البدايات الى المدرسة الواقعية، لكنها أبت أن تترك هذه المدرسة تصبغ مسيرتها كاملة، فراحت تبحث في اللون عن تقديم أعمق، تجلى لاحقاً في تراكيب هندسية تجريدية. وربما هذا البحث والاشتغال البصري المتميز بالممارسات المتعددة، هو الذي يفسر امتناعها عن تقديم أعمالها حتى الثلاثينات من عمرها، كأنها كانت مدركة تماماً لهويتها الفنية المتفردة.

بالعودة الى تجربة الفنانة التي تقدم مجموعة من أعمالها في «متحف سرسق» احتفالاً بعيدها المئة (راجع مقال الزميل أحمد محسن)، يمكن الاطلالة على حياتها وانجازاتها، عبر أنماط متنوعة، أتى تطورها بشكل متتال تبعاً للمراحل التي عاشتها، والظروف السياسية التي أحاطتها، وكذلك البلدان التي زارتها. أسهمت أسفارها الى القاهرة وباريس ومن ثم عودتها الى بيروت في تشكيل هوية خاصة بكل مرحلة.
شكلت المرحلة الواقعية أول علاقتها مع اللون، لكنها أسقطت الواقعية التشبيهية من مفرداتها اللونية، لتنشغل في معادلات حسية أخرى. وهذا ما صبغ أعمالها بالحداثة، فكانت سابقة لعصرها في تلك المرحلة. انتقلت من الرسم الواقعي الذي لم تمارسه على نطاق واسع، الى البورتريه، وخصوصاً في فترة دراستها في باريس (1948- 1951). هناك بدأت تشكل الملامح والأجساد التي كانت تعريها من كل شيء، حتى من مكنوناتها الداخلية. الأجساد والوجوه كانت أداة افصاح لا أكثر، وسيلة الفنانة التعبيرية. لكن حتى الملامح، لم تعد تشبع ابداعها، فأدركت حينها أن التكوينات اللونية التجريدية أكثر مواءمة لروح الفنانة بداخلها. تعيدنا لوحاتها في تلك المرحلة الى خوان ميرو، الفنان الذي شغلت أعماله التكوينات والتداخلات، ضمن صياغة لونية تعتمد على الاشارات والايقاع التجريدي القوي. الجمع بين قوة اللون وبساطة التعبير ضمن صياغة لونية مكثفة. هكذا تنصهر مع عملها، حتى تكاد تتلاشى كلها داخل اللون.

أوجدت ثقافة بصرية موجهة الى الجمهور لتكون جزءاً من يومياته

أرادت أن تنغمس بحواسها كاملة مع المادة الفنية، فغمست أصابعها في الطين لتنحته وتصنع منه التراكيب الهندسية والتجريدية التي قدمتها في وقت لاحق. النحت كانت له حكاية خاصة مع فنانة الجوائز الكثيرة. بعدما اكتفت من الثنائية في العمل، توجهت الى الأبعاد الثلاثية والرباعية أيضاً. تنوعت وسائطها بين المعادن والخشب والأحجار. قدمت النوافير في الساحات العامة، وفي الحدائق، فارتبط عملها بالمكان، وأوجدت ثقافة بصرية موجهة الى الجمهور لتكون جزءاً من يومياته. واظبت على تقديم هذه النوافير حتى نهاية التسعينيات، توجهت بعدها الى المنحوتات الصغيرة، التي تتشكل من تراكيب تشبه الخلايا الجسدية، كأنها تعيد صياغة الأجساد التي لونتها في مرحلة سابقة، لكن وفق تكوينات مادية تجريدية. النحت الذي تقدمه شقير، هو تأرجح بين التفكيك والتركيب، فتبدو القطع كما لو أنها تراكيب وايقونات، أُسقطت منها الرموز، لتتجلى في مفهوم يجمع التجريد بالعلوم. من علم الفيزياء الذي جذبها، وعلم الإحياء، ابتكرت المنحوتات التي تقف بدون جاذبية، فكانت الخيوط المشدودة هي سبيلها في خلق فضاءات للفن. بدت كأنها تطبق نظريات فيزيائية، فتأخذ وسائطها الى أقصى حدود سواء في الشكل أو الاستخدام. تجسد في منحوتاتها جدلية الفراغ والكتلة، والجمود والحركة. انها منحوتات على مسافة زمنية واحدة من الآنية واللانهاية.
الشعر كان مصدر إلهامها، فالنحت أتى معها كما لو أنه قصيدة، تتناغم فيه الأشكال تماماً كما تتناغم اللغة في أبيات الشعر. تأخذ انحناءات الحروف، وتطوعها عبر مواد صلبة. وهذا ما تجلى في معرض لها حمل عنوان «جدليات» حيث تدفق النص النثري سحراً عبر موادها، فأخذت اللغة أشكالاً متجددة وغير مألوفة. حتى الحرب التي تركت أثرها في نفس شقير، تجسدت عبر ثنائيات نحتية قدمتها ابان الحرب الاهلية، فكانت منحوتاتها تحاول جمع أوصال الوطن الممزقة. وضعتها بأشكال متجانسة ومتطابقة بين شقين، بينما يحيل الفراغ بينهما، على أمل أن تُلغى المسافة الفاصلة ويجتمعا سوياً. تأثرت الفنانة بالحرب وما يلم بالوطن، ولكنها تركت السياسة لتحمّل عملها الهم المدني فقط.
كل هذه الأعمال والمراحل لم تكن بمنأى عن الثقافة الاسلامية التي جذبت شقير. هذه الثقافة الغنية بالزخارف والرموز قد تكون السبب الرئيس الذي قادها الى القالب الهندسي الشكلي، اذ غرقت أعمالها في تراكيب أتى الكثير منها مستوحى من الحضارة الاسلامية. في حين أن التصوف أدرك لوحاتها ومنحوتاتها بشكل واضح، فكانت تحمل الصفاء الروحاني. تنساب الخطوط في اللوحة والنحت، لتبرز في ما بعد كأنها أشكال أو ربما أجساد، تتحاور في عملية تكرارية تزيد من حالة التأمل والصفاء. الاهتمام بالثقافة الاسلامية، أتى في مرحلة مهمة من حياتها، حين مكثت في القاهرة سبعة أشهر أثناء الحرب العالمية الثانية، فراحت تتعرف إلى الفنون الاسلامية والآثار. هذا التعمق جعل لوحاتها تستمد جذورها منه، فراحت تحول اللون الى خطوط وأقواس تتحاور في أبجدية فنية خاصة. معرضها التجريدي الأول في بيروت عام 1947، قدم ألوانها ضمن فلسفة جمالية تحمل من روحانيات الفنون الاسلامية التي تأثرت بها. يومها، لم يلق المعرض الكثير من الاستحسان أو القبول لدى الجمهور، إذ شكل هذا التوجه بالنسبة اليه نوعاً من الصدمة، بسبب حداثته وعدم انتشاره في الوطن العربي.
بين معرضها الأول، ومعرضها الحالي في «سرسق»، يحتفي لبنان بفنانة تكمل عامها المئة. يحتفي بمسيرة جمعت بين الحرف واللون، فصاغت النص برؤية لونية، وشكلت النحت في تراكيب هندسية، فيما حمّلت الثقافة الاسلامية ما هو أبعد من الزخرفة.

* معرض سلوى روضة شقير: بدءاً من اليوم (السادسة مساء) ـ «متحف سرسق» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/201892