لست في صدد الدفاع عن الموقف اللاسياسي المثير للشفقة الذي اتخذه أمين معلوف في مقابلته مؤخراً، إذ لا يمكن التصرّف كأن شيئاً لم يكن أمام جهاز تابع للكيان الصهيوني، أو يتولى نشر البروباغندا له، خصوصاً أنّ كاتبنا المكرس والخالد بعلاقته بالأكاديمية الفرنسية، لم ينبس ببنت شفة عن «القضية الفلسطينية» على تلك الشاشة. ورجاءً، لا يقل لي أحد بأنّه أطل في برنامج ثقافي بحت، فالثقافة، بل إنّ الأدب (مع أن لدي الكثير من الملاحظات على الكتابة الطنانة لمعلوف) أبعد ما يكون عن اللاسياسي! لكن، وهنا أشدد على كلمة لكن، في الوقت عينه، لا أستطيع دعم هذه الحملة حتى لو لم تكن منظمة- إلا أنها في نهاية المطاف حملة، وحملة تبتعد عن النقاش بالقدر ذاته الذي تقترب فيه من تلك المحاكمات البائسة.
اختُزل النقاش بمجرد الموافقة على هذا الرأي، أو رفض ذاك

ما أريد الإشارة إليه هو الغياب الصادم للنقاش على الساحة، وهذا لا ينحصر بقضية أمين معلوف فقط، بل إنّه يطال كل الإشكاليات والقضايا التي تطرح على الساحة. ما هو شكل النقاش «عندنا» اليوم؟ أنا مع، أنا ضد.. أنت معنا، أنت ضدنا... هذه المعادلات تختصر القضية كلها، ولدى كل الأطراف بلا استثناء! وحتى حين يكون الرأي مدعوماً بحجج وبراهين وقرائن (وهذا أمر نادر)، فلا يكون هدفه إلا إدانة الطرف المقابل؛ أي إعدامه! هذه الظاهرة يمكن تعميمها «عندنا» وفي كثير من الأماكن الأخرى أيضاً. اختُزل النقاش بماذا إذا كنت خائناً للقيم أم لا، خائناً للقضية أم لا، خائناً للمجموعة أم لا، خائناً للوطن أم لا... لم يعد للنقاش مكان بيننا، حقيقة، حتى لو كان نقاشاً يطال الكلمات وطبيعة معناها المفترضة؛ هذه المحرمات اللغوية التي نرميها جزافاً في العلن: الحقيقة، الانتفاضة، الاستقلال، الحرية، الديمقراطية، الأمة، الوطن، العهد، الوعد، الكرامة، المقاومة، الخيانة... إن هي إلا كلمات نلّوح بها مهددين، وكأنها أيقونات مقدسة مفرغة من المعنى. مُبادة.
لا يعني ذلك أنني مع موقف وسطي، معتدل، يضع «مهاجمي» أمين معلوف و«المدافعين» عنه في سلة واحدة، بغض النظر عن سوء النية المتبادل والمتضمن بينهما، بل أطالب بمساحة، بأرضية للتأمل والتفكير، حيث لا يُختزل النقاش بمجرد الموافقة على هذا الرأي، أو رفض ذاك. أطالب بتوسيع أفقنا، وتعميقه، وهزّ يقينياته، والخروج مرة وإلى الأبد من منطق رؤية الأمور من منظار الأبيض و/أو الأسود... حيث حبسنا أنفسنا لدرجة مثيرة للشفقة.
لا يمكن للفكر أن يكون وجبة فاترة، بالعكس. الفكر برد وثلج ورخام، قمة التعقيد، مليء بالمتناقضات... الفكر عصيّ والفكر لا يطاق. إنه هزلي وساخر، شفرة، نار وحرائق... إنه كل شيء يمكن تخيله عدا الرقابة والإقصاء والمنع تحت أيٍ اسم كان أو خدمة لأي شيء كان.