لم أصادفه منذ سنوات، رغم أن بيروت «قد كـ… العقربة». لكن القدر اللئيم شاء أن ألتقي اليوم أنكل إلياس خوري وجهاً لوجه ونحن خارجان من المطعم البيروتي. معقول؟ يوم نشر مقالتي «إلياس خوري أضاع الطريق إلى فلسطين» (الأخبار ٢٣/ ٦/ ٢٠١٦). يا لها من ورطة!

حاول أن يتفاداني، كان صديقه قد سبقه الى الخارج. لا أعرف لماذا أبطأت، وانتظرت أن يقترب مني. تفاجأ وانحرج ومد يده للمصافحة، وكان لا يزال يضبط أعصابه. أذكر الآن خديه المنتفخين على احمرار. ونظرته التي عرفتها جيّداً في ما مضى، تلك التي لا يمكن تحديد اتجاهها. مثل الكشتبنجية وجماعة الـ GalaGala.
- بشرفي انت واحد ذكي!
- شكراً!
- يعني انت حمار. تكتب مقالات فاشلة.
- مع انّي تعلّمت منك.
- ما تعلّمت شي.
وانطلقت حفلة شتم من الطراز الرفيع. صرنا خارج المطعم، والتحق بنا الرجل الآخر. طلع جاد تابت. كان يسمع صديقه يصرخ ويخانق، ولا يفهم ماذا يجري. قال له الياس: هيدا «الأستاذ بيار أبي صعب!». هزّ برأسه، ليخفي آثار الصدمة.
وكرجت سبحة الاتهامات: «إنت واحد قواتي، إلك عين تعطيني دروس في الوطنيّة؟» (كنتُ كتائبياً فعلاً في مراهقتي الأولى، ثم صرت من قراء إلياس خوري، والتحقت بالصفحة الثقافية التي كان يشرف عليها في جريدة «السفير». بُعيد الاجتياح الاسرائيلي الثاني، حين تركت لبنان، لم يكن هناك شيء اسمه «القوات اللبنانية»). ثم غيّر رأيه: «أنت عميل سعودي» (يقصد أني عملت في «الحياة»). وعاد فَرسى رأيه على التهمة الأسكس: «أنت مجرّد مخبر صغير… يشتغل عند إيران»!
كل هذا؟ جريدة «العملاء الايرانيين» التي يكرهها إلى هذا الحد، أجرت معه حواراً طويلاً قبل أسابيع في ملحق «كلمات» (31 أيار/ مايو 2016)، وتركته يقول كل ما يريد، بما في ذلك أن مقالاته ضمن سلسلة «زمن الاحتلال» «أسست لأول مرة لمقاومة إسرائيل».
- أستاذ الياس أنت اشتغلت عند جبران تويني وما قلنالك شي!
لا يعلّق، لم يسمع ربّما، لكنّه يواصل رشق الاتهامات:
- معلمك أبراهيم الأمين شتم محمود درويش وهو يموت.
- غير دقيق. النقد حق. محمود شخصية عامة! لم يكرّم أحد محمود درويش كما فعلنا في «الأخبار»! أتذكر ملف «الأخبار» يوم رحيل درويش؟
- ومعلمك جوزف سماحة ذهب مع جماعة ١٧ أيار إلى نتانيا! (فاتني هذا التفصيل من حياة جوزف التي أعرفها بالتفصيل الممل، لكن من المفيد أن نعرف أن هذا كل ما يحتفظ به إلياس خوري من جوزف سماحة). يبدو أنّها خصلة عند إلياس خوري، يحاول أن يبرّر سقطاته متذرعاً بما فعله آخرون أهم منه.
- أنت مجرد مخبر. عميل إيراني.
- أنا مع إيران!
وصار جاد تابت يردد وراءه ـــ وحيله مقطوع وقد ضمر حجمه أو هكذا بدا لي. صار يكيل لي الاتهامات وهو لا يعرف عني شيئاً: «إنت واحد مُرتَزَق» (بفتح الزين)
- مرتَزِق مسيو تابت، موووورتاااازييييق!
على فكرة جاد تابت معمار مهم، ابن بيت عريق، أبوه المهندس والمناضل الشيوعي أنطون تابت. وقد كتب جاد اليوم ـــ لجميل المصادفات ـــ مقالة بليدة في «النهار» تبرّر لعديله أمين معلوف مبادرته التطبيعيّة! أهليّة بمحليّة؟ أم نخب تتهاوى إلى حضيض الليبراليّة البلهاء؟
حاول إلياس معي كل أشكال الاساءة، لكن سدىً. كان قد فقد صوابه. وأنا ابتسم وأسأل: «أكيد؟ طيب إذا هيك أوكي!».
أو أعلق: «عليك أن تقبل بهذا الأمر… البشر أصناف مختلفة… الأرواح جنود مجنّدة»…
مكاني ماذا تفعل؟ أنت في مواجهة كاتب أحببته واحترمته ذات يوم، ووثقت وتأثرت به، وها هي أسطورته تتفكك أمامك، وتراه في هذه الحالة المحزنة، المثيرة للشفقة، كسيدة عجوز محترمة، ضُبطت بالجرم المشهود وهي تسرق في السوبرماركت...
ثم سئمت، فقاطعت صراخهما الهستيري الذي تصاعد كريشندو:
- يا جماعة انا عم بحكي مع مهندس كبير وأديب عالمي. ما هذا الأسلوب في الحوار؟ لماذا لا تناقشان كلامي وموقفي ونقدي؟
- شو بدنا نناقش؟ نقدك بيسوا صرماية!
- تمام! وصلني حقي.
الرجل الصغير واللطيف الذي برفقته، تمكّن من تمرير جملة مفيدة كاملة أخيراً: «العمى، كل ما واحد عمل شي بتخوّنوه!».
- غير صحيح. التخوين ليس من قاموسي (لا اعرف لماذا قلتها له بالفرنسيّة).
- فإذاً شو؟
- «فإذاً» قلت إن مقابلة إلياس لـ «هآرتس» «سقطة مدويّة»! كلنا بنغلط…
عاد إلياس برشقات اتهاميّة جديدة:
- بتكتب عن ناس ما بتعرفهم.

ماشي عمّي الياس. أنا أخدت «بشار»، وأترك لك «الربيع العربي»!

- إذا قصدك صاحبك عوديد هلاحمي. استعلمت عنه ما يكفي.
- ما بتعرف مواقفه المتضامنة مع فلسطين!
- هههه. أهلين! إنه شيخ طريقة في التطبيع وتوريط فنانين ومثقفين عرب في الفخ الاسرائيلي بين يافا والقدس ونيويورك وبغداد.
وهنا انتهرني الياس:
- إنت مين؟ شو عامل أصلاً بحياتك غير هالكم مقال التافهين؟
- هودي هني! انا صحافي. أكتب مقالات...
- لكان ليش حاطط حالك معنا؟
- (فرطت من الضحك). حاطط حالي معكم؟ كيف يعني؟ ما حاطط حالي مع حدا يا خيّي. مين يعني انتو؟
كان إلياس وجاد يصرخان بقوة. ونحن أمام المطعم. جاء النادل ذو النظارة الزرقاء، ورجانا أن نتناقش بعيداً من مدخل المطعم، فالزبائن يشتكون من الصخب!
و«تعبّا» فيه الياس: «بنحكي متل ما بدنا، مطرح ما بدنا».
أصرّ الشاب على طلبه!
خفض إلياس رأسه قليلاً علامة التحدي، ونظر إلى الشاب شذراً من فوق نظارته الشمسيّة الشهيرة. وقال بحزم: «نحنا بنقوّص». مين «أنتم» بلا زغرة؟ (آه صحيح، يقول صديقي وليد إن إلياس خوري «عبَر شهرين في الكتيبة» ومن وقتها راكب ع ضهرنا. يقصد «الكتيبة الطلابيّة» أيّام «فتح». لا أعرف كم رصاصة أطلق حينذاك، بس غريب أن يتحدّى النادل بفكرة اطلاق الرصاص، بعد كل هذا الزمن، وهو ضد السلاح وحزب السلاح، يدعو إلى «المواجهة الأخلاقيّة» مع اسرائيل). تشبيحة «القواص» تلك، تشبه، على فكرة، تشبيحاته الراديكاليّة حين يحاول أن يأكل راسك بمواقفه من «الثورة» و«رفض الاستبداد» و«فلسطين»…
لكنّه لم يكن يتوقّع جواب النادل المهذّب في بذلته الرماديّة الضيّقة: «ونحنا بنقوّص!».
(وأ... رح تعلق الحرب! بس حلوة منك غارسون!).
حين ينحشر الفنّاص، يغيّر الجبهة. ترك إلياس غارسونه المحارب وعاد إليّ. وصل في الوقت المناسب لإنقاذي من جاد تابت المسكين، المقطوع الحيل الذي يتأتئ ويحاول أن يقول أشياء خارج السياق، ولا أعرف بالضبط ماذا يريد منّي. «تعا توصّلك عالبيت» قال جاد لينهي هذه الحفلة، وسحب صديقه من ساعده.
- لماذا كل هذا العنف؟ والاتهامات الغيبية؟ سألت إلياس ونحن نفترق. أنت كتبت مقالة تتحمل مسؤوليتها، فرددت أنا بأخرى. أتشتم العالم ثم تمنعهم من أن يردوا؟ ألم تقل عنا: «قومجيين… أنصار بشار!».
- صحيح. انتم عملاء بشار!
- ماشي عمّي الياس. أنا أخذت «بشار»، وأترك لك «الربيع العربي»!
«زأرني» من خلف كتفه، بالعين المفنجرة إيّاها. حاول أن يقول شيئاً، ثم عدل عن ذلك. هزّ برأسه. بقي ينظر في اتجاهي، بِحيرة وتعب وغضب مسكَّن، وهو يبتعد في الاتجاه المعاكس.