منذ انطلاق تصوير مسلسل «الندم» (تأليف حسن سامي يوسف بالإفادة من روايته «عتبة الألم» التي تصدر قريباً، وإخراج الليث حجو، وإنتاج «سما الفن») توقّعنا أننا سنكون أمام تجربة مميزة، على اعتبار أن شراكة الكاتب مع المخرج صنعت نجاحاً تلفزيونياً هاماً في مرحلة سابقة. لكن ما إن بدأ عرض المسلسل، حتى اكتشفنا أنه ربما كان ينقصه حضور نجيب نصير كونه رافق يوسف في أغلب نصوصه التلفزيونية، وربما كان مخلّصها من الوجدانيات الزائدة، أو أنه شدّها أكثر نحو الواقع، ثم جعلها تتخطى استطالتها السردية، التي تخلق مللاً سريعاً رغم أهميتها. تلك هي المشاكل الحقيقية في العمل الذي ينطلق من الزمن الحالي للشام وصولاً إلى ليلة سقوط بغداد سنة 2003، في رواية تسرد على لسان كاتبها وبطلها «عروة» (محمود نصر) لنعيش مع أحداث المسلسل الموزعة بين زمنين. الأول استفاد فيه الكاتب إلى درجة الاستنساخ من فرضيات مسلسل قديم له هو «شجرة النارنج» (17 حلقة عرض سنة 1989، إخراج سليم صبري، بطولة الممثل الراحل عدنان بركات، وسلوم حداد، وغسان مسعود وسمر سامي). نلاحق في هذا القسم حكاية العائلة الدمشقية المحافظة التي يقودها عرّابها حوت تجارة اللحوم «أبو عبد الغول» (سلوم حداد) وسطوته على أبنائه (باسم ياخور، وأحمد الأحمد، ومحمود نصر ورنا كرم) وخصوصية علاقته بالكاتب «عروة» الذي كان سبباً في مرور اسم الأب على وسائل الإعلام، إضافة إلى رسم بِكره عبدو (باسم ياخور) خطّة التلطي عند مجاملات زائفة، لحين ضعف الأب وتراجع جبروته بسبب تقدّمه في العمر. عندها يتحيّن الفرصة ويسطو على كل أملاك العائلة، بخاصة أنّ علاقة شائكة جمعت بين الأب المتسلّط والأخ الأوسط سهيل (أحمد الأحمد) جعلت الأخير يهجّ بعيداً عن أهله. رغم الغليان الدائم ضمن حياة العائلة، إلا أن الخيار الإخراجي ذهب لصالح الألوان الساطعة والنقية والوجوه المشرقة في إشارة واضحة إلى شكل الحياة في «عاصمة الأمويين» آنذاك.

أما القسم الثاني من المسلسل، فهو زمن آني بطله الكاتب وحده، وقوامه المطوّلات السردية والحالة الإنشائية، والمتواضعة روائياً، التي تعود إلى الماضي من خلال ذاكرة متقدة للكاتب ورغبته في صناعة نص تلفزيوني. المرحلة غارقة في إضاءة خافتة كنوع من الدلالة المباشرة على مخلّفات الحرب وقتامة المشهد في المدينة المنكوبة والرغبة في رفض الإذعان للفرز القذر لأبناء سوريا الواحدة.

برع محمود نصر بأدائه رغم أنه لا يحظى بربع البروباغندا التي تثار حول النجوم عادة
يبدو المسلسل منفصلاً كلياً في جزءيه، فلو حُجب الجزء الثاني المقحم على أصل الحكاية بداعي مواكبة الزلزال السوري المدمّر، لما تأثر المشاهد، وربما تفاعل أكثر مع القصة الأصلية، خصوصاً أنّ الجزء الأول من العمل يبنى بطريقة متصاعدة، تمكّن الرواية من الوصول إلى ذروة خواتيمها من دون حاجة إلى زمن مضاف. في المقابل، يخلّف الزمن الثاني حالة ملل واضحة، بسبب غياب الدراما واقتصار الحدث على استعارة تعليقات الكاتب الفايسبوكية، وتسجيله العابر والبسيط ليوميات المدينة، وهي تعيش تحت وطأة القذائف، ومن ثم تعميم خاطئ لهذه الحالة طيلة فترة المسلسل، مع تراجع التصنيع الدرامي، وغياب التفاصيل المشوقة في هذه المرحلة، إلا باستثناءات قليلة ذات علاقة بالفتاة التي تهتدي إلى عشق الكاتب، عساها تحارب وحشة ليالي الأزمة المعتمة (تؤدي الدور ببراعة جفرا يونس ــــ الأخبار 22/6/2013)، وطليقته مرام علي وزوجها الجديد، ومصادفة لقائه بفتاة صغيرة يعود ويجتمع بها بعدما اشتد عودها وأصبحت صبيّة جميلة. وحتى الآن، لم نلمح مزجاً بين واقع يحاصر دمشق، ومشاهد ملتقطة من وجع يومياتها، بلغة تقع ما بين الوثائقي والدرامي بحسب وعود صنّاع العمل لنا أثناء تصويره!
مع ذلك، يحقق «الندم» نجاحاً جماهيراً، واستحساناً واضحاً لدى من يتابعه. وإذا ما قيس ببقية المسلسلات السورية هذا العام، سيحتل فعلاً الصدارة، مستفيداً من الضبط الواضح لجميع الممثلين، وظهورهم بصورة مختلفة عما سبق أن قدّموه. سلّوم حداد يعرف كيف يصيغ حالة متقنة لتاجر اللحوم الجبّار الذي يقود حياته وتجارته وبيته بصوته العالي وزنده. كذلك، يبدي مهارة في سبك الانكسار بعد أن يوجّه له القدر ضربات متتالية أشدّها وطأة رحيل زوجته ورفيقة دربه، ومهندسة حياته الشخصية، ثم اشتداد علامات الشيخوخة عليه. من جهته، يستعير باسم ياخور من تراكماته ومخزونه الوافي، ليلمع كعادته بشخصية الوصولي الانتهازي الصاغر لأوامر أبيه، المستسلم لطاعته العمياء لكن على مضض، كونه يتحيّن بفارغ الصبر زمن ضعفه ليقطف كل ما زرعه طيلة دربه من دون التفكير لوهلة في حق أخوته. وينجح أحمد الأحمد في شد البساط نحوه كلما ظهر أمام الكاميرا، كأنه حقيقة شخص تحالفت عليه تعقيدات خلّفتها مشاكله مع والده. كل ذلك تمهيد لموقف محمود نصر بطل المسلسل الذي يقدّم هنا دليلاً قاطعاً على قدرته بأن يكون بطلاً مطلقاً يتمكّن من شد المشاهد إلى أدائه طيلة ثلاثين حلقة، رغم أنه لا يحظى بربع البروباغندا التي تثار حول النجوم عادة. بدراسة وافية، يجيد نصر لعب الزمنين لـ «عروة»، ويتمكّن من جذب طرفي المعادلة، رغم الملل المسيطر على شقّها الثاني، لكنه يحمي أداءه من رتابة النص هنا، ويخلق الإقناع اللازم بكل ما يفعله. تبقى هالة «النبوّة» التي تحيط بالشخصية كونها مزيجاً من حكمة، وهدوء، ورصانة، وأدب، وكرم مدهش، وعلاقة وطيدة بكل النساء اللواتي يعرفهن، بمن فيهن أمّه وأخته، وحورات عميقة حتى مع المتسولين والعابرين صدفة في طريقه. كل ما سبق تجعل أسهم الشخصية في تراجع، لكن بجهود واضحة للممثل السوري يعود عروة إلى بشرّيته، ويتوّه مشاهديه بذكاء عن الملائكية المبالغ فيها التي تسم عوالمه كما كتب على الورق. في الخلاصة يمكن القول بأنّه لو هيّأ لمخرج «الندم» وممثليه، تماسك ونضوج على مستوى القسم الثاني من الحكاية، لكانت النتائج مرضية أكثر بأشواط مما هي عليه الآن.

*«الندم»: 1:00 على «سورية دراما» ــ 23:00 على قناة «تلاقي» ــ 17:00 على «الجديد»