قيل إن كتب التاريخ تخبرنا عن الحاضر الذي كتبت فيه أكثر مما تخبرنا عن التاريخ الذي كتبت عنه، وإن كانت هذه هي الحال في الكتب التي عُني بها التأريخ، فما بالنا بكتب الأدب؟

في «غارب» (دار مدارات) لمحمد عبد القهار، يطل علينا التاريخ، كما يطل موسى بن أبي غسان «من فوق جواد أعمى، أشعث أغبر، بيد[ه] رمح مكسور، ومزق راية، وخلف[ه] أيتام وأرامل وثكالى» (342). وموسى بن أبي غسان هو ذلك البطل الغامض الذي حار الرواة في أصله، حتى احتاروا في ما إذا كان موسى أم معاذاً (ينظر في ذلك، على سبيل المثال، ترجمة هاني نصري لكتاب واشنطن إيرفنغ «أخبار سقوط غرناطة» حيث يأتي على ذكر موسى/معاذ بن أبي غسان ـ ص. 356)، فضلاً عن حيرتهم في من هو أبو الغسان ذاك (حيرة يطوعها عبد القهار بمهارة في روايته). حتى لا نعلم إن كان منقذاً أسطورياً ابتدعه شعب غرناطة المهزوم كما تتخيل الشعوب منقذها حين تحاصرها الهزيمة، أو بطلاً درامياً جادت به قريحة أحد المؤرخَين الأميركي واشنطن ايرفنغ أو الإسباني خوسيه أنطونيو كوندي. على عكس الرواية التاريخية التي تجعل من موسى بن أبي غسان منقذاً ومخَلِّصاً كأنه المهدي أو أحد أبطال الملاحم والأساطير، يمنح محمد عبد القهار موسى بن أبي غسان تاريخاً شخصياً فيجرده من بطولته، أو يبقي عليها ولكن يهوي بها إلى أرض الواقع. لا يعري عبد القهار فقط الجانب الإنساني بكل ما فيه من تردد وخوف وأثرة للنفس لبطل روايته، بل يجعله فاشلاً يواري فشله أو يجهله بشكل يقارب الكوميديا السوداء، فكلما التمس علماً أو عملاً، سأمه أو عجز عن الترقي فيه، فذهب إلى غيره حتى مارس الطب فقتل مريضه كأنه اللمبي في ثقافتنا المعاصرة.

عن موسى بن أبي غسان واللمبي

مقارنتي لابن أبي غسان محمد عبد القاهر باللمبي ليست انتقاصاً من الرواية، بل على العكس فإن اللمبي جاء في لحظة هزيمة وإحباط ليعبر عن تلك الهزيمة وذلك الإحباط، لكننا، على الرغم من جبنه وادعائه وضعفه وأثرته لنفسه، نتعاطف معه لأنه مثلنا يظل يحاول، ولأنه، مثلنا، قد يفاجئنا بالتخلي عن كل تلك العيوب ولعب دور البطولة إذا اقتضى الأمر. ومثل اللمبي، يحاول موسى بن أبي غسان، ويظل يفشل فيداري فشله بادعاء الجهل أو ادعاء البطولة والسبق، فنضحك عليه ونضجر منه ونتعاطف معه حتى يأتي الوقت الذي يلعب فيه دور البطولة. الفارق طبعاً أنّ بطولة اللمبي تلقي به دائماً في أحضان محبوبته. أما بطولة موسى بن أبي غسان، فتلقي به في الموت – أو الشهادة (أو في نهر شنيل بحسب رواية بعض المؤرخين)، ذلك أنّ منتجات الثقافة السائدة ومنها اللمبي تستأنس الهزيمة (فلا مانع أن يعيش البطل هزائمنا وإحباطاتنا ثم يتوجها بالنهاية السعيدة). أما الأدب على طريقة «غارب»، فيجعل من الهزيمة صدمة وقدراً ثقيلاً.

«غارب» والهزيمة

رأينا سقوط الأندلس صورة من سقوط فلسطين

«غارب» إذن رواية هزيمة – وأكرر أني بهذا الوصف لا أبتغي الانتقاص من الراوية بل الثناء على موهبة محمد عبد القهار الذي استلهم لحظة الهزيمة ووصفها بذلك الشكل المبدع. لا أعرف عبد القهار شخصياً، فلا أزعم النفاذ إلى تكوينه الفكري والسياسي، لكن إذا كانت الرواية قد كتبت بين 2005 و2016 فقد ولدت إذن في أعقاب سقوط العراق وفي ظل هجمة ثقافية استعمارية واكبت الغزو واستمرت بعده، حتى أصبحت مفردات المسلسلات الأميركية جزءاً من حياتنا اليومية. وفي «غارب»، نرى الهزيمة لا فقط في سقوط الحصون والبلدان ولا فقط في نزوح الناس أو وقوعهم تحت حكم «طاغية الروم»، بل كذلك في تواطئهم مع العدو، تواطؤاً يتعدى السياسي والعسكري إلى التواطؤ الثقافي (أو ما عرف وقتها بالتدجين عدا عن التنصير الظاهر والمبطن). مثلاً، حين يصف محمد عبد القهار على لسان موسى بن أبي غسان أحد المدجنين، يقول: «وبقى صاحبنا على دينه يظنه لم يُنقض بموالاة أهل الكفر وقتال أهل الإسلام، وعد ما نزل به من الفقر والحاجة صبراً على دين الله، وأثنى على نفسه أن لم يتنصر كمن يدعى ابن عمار الذي سلم حصنه للنصارى... وقاتل مع ملك الروم حتى قتل في غزو لوشة، فدفن تحت قبة في كنيسة ابتناها في قبرة وصلى عليه أسقفها كما وصى! ثم ظل يرثي نفسه وحاله... فيا عجباً لأولئك المدجنة يزرعون للطاغية ويصنعون ويقاتلون، ثم يسألون الله الحج أو الرزق! ألا ما أضل سعيهم وأشد غفلتهم!» (301) وما أشبه الليلة بالبارحة! كأن قصة سقوط غرناطة تطوع نفسها لكل هزيمة، فقد رأينا سقوط الأندلس صورة من سقوط فلسطين، ثم رأينا انهزام أبي عبد الله الصغير وذله في اتفاقية السلام بين منظمة التحرير وإسرائيل، ومن ذلك ديوان محمود درويش الشهير «أحد عشر كوكباً» على آخر المشهد الأندلسي وبالذات قصيدته الموسومة «للحقيقة وجهان» التي يخاطب فيها ياسر عرفات كأنه أبو عبد الله الصغير، ومنه كذلك «ثلاثية غرناطة» للراحلة الرائعة رضوى عاشور، وقد صدر الجزء الأول من تلك الثلاثية عام 1994 أي في أعقاب أوسلو. وإن كانت «ثلاثية غرناطة» هي الأخرى قد عبرت عن القلق على اللغة والثقافة في زمن كادت فيه أمم الغرب أن تتكالب علينا، فإن هذا القلق يتفجر في «غارب» ليصير (في قراءتي التي قد تصيب وقد تخيب) محوراً رئيساً للرواية.
لا خلاص
أضيف أنّ رواية محمد عبد القهار هي رواية هزيمة لأن محمد عبد القهار لا يدع منفذاً للخلاص. فإذا كان التاريخ وروايته الشعبية قد جعلا موسى بن أبي غسان المنقذ القادم من الخارج، فلم يمنحا له نسباً أو تاريخاً شخصياً واكتفيا بأن أضفيا عليه صفة الفروسية أو نسباً ملوكياً غامضاً (إيرفنغ ينسبه إلى الملوك من دون أن يُفَصِّل ذلك النسب وتبعه في ذلك مؤرخونا العرب)، فإن رواية عبد القهار لم تكتف بأن تنفي عن ابن أبي غسان صفة المنقذ الأسطوري حين منحته تاريخاً شخصياً محملاً بعوامل الضعف البشري. بل ذهبت أبعد من ذلك حين جعلته من بني الأحمر وجعلت منه أخاً لأبي الحسن وأبي عبد الله الزغل وعماً لأبي عبد الله الصغير. كأن محمد عبد القهار لم يكتف بأن يقول لنا ألَّا منقذَ من الخارج، بل إن من توهمناه منقذاً هو من السلالة الحاكمة، كأنه لا مخرج من دائرة السلطة. إذا كانت فكرة الرواية قد ولدت لدى عبد القهار في ظل الهزيمة العسكرية والثقافية التي منينا بها في أعقاب غزو العراق وما رافقه، فإن الرواية قد نضجت في مطلع 2016 أي في ظل هزيمة الثورات العربية بعدما ظنناها ستعصف بالطغاة. وتتجلى الهزيمة لا فقط في جعل موسى بن أبي غسان من سلالة بني الأحمر، بل تتجلى بشكل أعتى وأقسى في مصالحتها بين موسى بن أبي غسان وأبي عبد الله الصغير. فإن التاريخ قد جعل من ابن أبي الغسان وابن الأحمر نقيضين وعدوين (تسرد رضوى عاشور، على سبيل المثال، الشائعات عن العداء بين الاثنين وقول البعض إن الأخير قد قتل الأول في مطلع ثلاثيتها عن غرناطة ص.11). ذلك التناقض بين الشخصين في السردية المعتادة يجعل من موسى بن أبي غسان المجاهد والثوري في شخص واحد. وحتى إن سار بن أبي غسان للموت (أو الشهادة) والملك الصغير إلى حياة الذل في فاس، فإن استشهاد المجاهد الثائر في تلك السردية يظل مصدر إلهام لمقارعة السلطة المرتمية في حضن العدو. أما في «غارب»، فإن الكاتب يقدم لنا مصالحة محبطة وموجعة، فيقول موسى بن أبي غسان عن الملك الصغير في باب سماه «ذكر لقائي بالسلطان أبي عبد الله حفظه الله» [والتشديد من عندي]: «ثم تذَكَّر حال غرناطة من الضعف وتسلط الروم عليها... فبكى حتى أبكى جميع من في المجلس، وعاهدنا على السير بالكتاب والسنة وإبطال المغارم والمكوس، وأجرى ما قطعه أبوه من عطايا الجند، وأظهر الزهد والتقشف وكان يجالسنا وعليه شملة مرقعة وغفارة مغبرة من أثر السفر. فوالله ما كان رجل آيس من بني الأحمر مثلي حتى رأيته... فقوي به أملي [أي أن أمل بن أبي الغسان قد قوي بمن سيسلم غرناطة للعدو!] وقد لاقينا من الخطوب عشر سنين وضاقت علينا الأرض بما رحبت، وهو وسط كل ذلك مالك لنفسه، ثابت الجنان، عظيم الصبر. وليس فيه إلا حب الرياسة، وليس ذلك بالشيء الكثير، وهو أمر جبل عليه بنو الأحمر منذ قامت دولتهم [فانظر كيف يبرر سليل الملوك تفرد بني الأحمر بالرياسة وكيف تنفي تلك السردية عن ابن أبي غسان الهالة الثورية التي أحاطتها به السردية التقليدية] وليس السلطان مذموماً في حد ذاته، بل إن سطوة السلطان وقهره وازع للناس عن العدوان الذي جبلت عليه طبائعهم» (261) وللقارئ والقارئة أن يتأملا كيف يصير المجاهد مدافعاً عن «سطوة السلطان وقهره» في رواية صدرت في لحظة انهزام الثورة أمام السلطة، وكيف يدعي السلطان (كما في عصرنا) مقارعة العدو ليتسلط على الناس بينما يبطن المصالحة والتسليم؛ فتنجلي الخدعة على بن أبي غسان الساذج فيتوسط لأبي عبد الله ليحوز قسماً من أموال الخموس بعدما كان أمير لوشة المجاهد علي العطار قد انتوى أن يحبسها عنه. ثم يختتم بن أبي غسان ذلك القِسم بالدعاء للسلطان.
كذلك، فتلك المصالحة بين ابن أبي غسان والسلطان هي أحد أسباب فشل ابن أبي غسان، فإذا كانت الرواية التقليدية قد جعلت من ابن أبي غسان «مقاومة شعبية» (بلغة عصرنا)، فإن الناس ينفضون عن ابن أبي غسان في «غارب» لأنه يصبح مجاهد السلطة لا منافحها. وحين يأخذ من الناس بعيرهم ليهاجم بها حصون الإسبان، ينقم الناس عليه ويلعنونه لعنهم السلاطين (ولربما مدحوه أو سامحوه لو كان أخذها كحام لهم لا كمتسلط عليهم). لا يتجاهل عبد القهار التناقض ولا سردية العداوة بين الاثنين، لكنه يوردها كشائعات يسمعها موسى بن أبي غسان في مسيره الأخير نحو الشهادة فلا يبالي بها ولا يرد عليها، بعد أن يكون ابن أبي غسان قد ترفع عن سرد مواجهته الأخيرة مع أبي عبد الله الصغير في كتابه لابنه ويكون محمد عبد القهار قد تعمد أن يتخطى ذلك المشهد، فلا نعرف ما جرى إلا من شذرات الإشاعات، فلا ندري أبداً هل خروج ابن أبي غسان الأخير صدام مع السلطة أم هروب منها.

التراث أم الحاضر

وإن كان هناك من مأخذ على الرواية فهو أنها ـ في رأيي المتواضع- تتأرجح في لغتها ومفاهيمها بين الحديث والقديم، فكأن الكاتب يحاول أن يحاكي عالم الرواية تارة وعالمنا تارة. فقد أفلح الكاتب في تخطي النسق الروائي والبنية السردية الحداثيين إلى نسق وبنية يستلهمان نصوص التراث ويصنعان حداثتهما الخاصة من ذلك التراث على غير سبيل الأوروبيين ومن تبعهم من كتابنا. أما لغة الرواية بشكل عام، فهي أشبه بلغة العالم الذي تدور أحداثها فيه، عدا بعض المفردات الحديثة. مثلاً، يستخدم الكاتب كلمة «عجوز» للمذكر والمؤنث، والصواب أنها للمؤنث فقط، ويستخدم كلمة «زوج» للمذكر و«زوجة» للمؤنث والصواب أن كلمة زوج لا تستخدم إلا للمؤنث. أما للمذكر فعلى المتحدث أن يأتي باشتقاق آخر، إلا إن كان يستخدم اللغة الحديثة لا لغة التراث. لا ينسحب هذا التأرجح على اللغة فقط بل يتعداها إلى المفاهيم. مثلاً، نرى الكاتب ملتزماً بالمفاهيم الفلسفية اليونانية والإسلامية السائدة في زمن الرواية حين يقدم النفس كالمدينة؛ وهو إذ يقدمها مدينة تعج بالنقاش والخلاف والتذبذب يتخطى خرافة النفس الواحدة التي تقدمها الليبرالية الحديثة. إلا أن الخلاص الفردي الذي يبحث عنه أبطال الرواية، ويبحث عنه موسى بن أبي غسان حين يختار أن يرابط في سبيل الله وحين يخرج طالباً الموت، يبدو لي كما لو كان غريباً على عالم الرواية والتركيب النفسي لشخصيات عصرها وأنسب للحداثة ومدارسها الرومنطيقية والإنسانية (غير أن حكاية موسى بن أبي غسان وبالذات مشهد استشهاده أو انتحاره ليغريان بسردية الخلاص الفردي، ربما لأن الرواية في شكلها الحالي هي نتاج خيالات مختلفة آخرها خيال واشنطن إيرفنغ ابن القرنين الثامن والتاسع عشر وصديق تشارلز ديكنز؟). على ذلك النهج، نرى بعض مظاهر حب موسى بن أبي غسان لفاطمة تبدو كما لو جاءت من طوق الحمامة أو من شعر العذريين أو غير ذلك من صميم تراثنا، وبعضها يبدو كما لو جاء من التراثين الرومنطيقي والفيكتوري الذين ابتلينا بهما في القرن 19 حتى سار جل كتابنا الحداثيين على دربهم.
مثلاً حين يتحدث ابن أبي غسان في كتابه لابنه عن «علامات الحب... وعن إدمان النظر، والإقبال بالحديث، واختلاج القلب بالضلوع لمرأى الحبيب» يحضرنا تراث العشق في الأدب العربي ثم يقول «تراه ينسى اضطرابها يوم لمس يديها عرضاً عند رفع الكانون بعد الشتاء» فكأننا انتقلنا إلى رواية فيكتورية ثم لا يلبث أن يعود إلى تراثنا، فيحكي عن الإناء الذي شربت فاطمة فيه فــ «جرعة مرة واحدة عله يلحق بما في الشراب من عسل» (129) ثم قرب النهاية حين تفتتن به إحدى بنات غرناطة، تتخيل أن يأتيها فتحممه وتعانقه ثم فجأة تستسلم الرواية للنسق الفيكتوري فتقطع على الفتاة حبل خيالها لتضيف «وأمور أخر يحمر لها وجه العذراء في خدرها، مأسورة بخيالها وصورة عشقتها» (420). إن النساء في الأدب الفيكتوري يا عزيزي محمد عبد القهار (منهن تناسلت الكثير من النساء في رواياتنا العربية الحديثة) هن اللواتي تحمر خدودهن خجلاً، أما نساء تراثنا فكن يصفن الشيء ويفصلنه حتى يحمر منه وجهك أنت.
إلا أن تلك المآخذ تتوارى حتى تكاد تنعدم إذا تذكرنا أن رواية التاريخ تخبرنا عن التاريخ الذي كتبت فيه بأكثر مما تخبرنا عن الماضي الذي كتبت عنه، وإن تلك التناقضات إن بدت طارئة على عالم الرواية، فهي ملمح أصيل من حاضرنا ومن حالة الهزيمة التي نعيشها والتي التقفها عبد القهار ببراعة وعبر عنها في عمل أدبي يشار له بالبنان.

* باحث في دراسات الشرق الأوسط ومرشح لنيل درجة الدكتوراه في «جامعة كولومبيا»