حين أطلقت هانية مروّة فكرتها في شتاء 2006، لم نكن نتوقّع للمشروع الذي وضعت أساساته بإمكانات مادية قليلة، وطموحات كبرى، أن يتحوّل مؤسسة عريقة، ومحطّة من المحطّات الحيويّة في الحياة الثقافيّة لبيروت. ستلومنا هانية لأنّنا نركّز على إسمها في حين أن نجاح تجربتها ثمرة عمل جماعي عبر فيه كثيرون، وما زال بينهم هنا زينة صفير وآخرون. لكنّنا لا نستطيع أن ننسى حماسة هذه الناشطة الثقافيّة الآتية من «جمعية بيروت دي سي» حينذاك، والتي تحلم بصالة للسينما البديلة في بيروت. كان حلماً دونكيشوتيّاً قبل عشر سنوات، أما اليوم فمن يتصوّر المدينة من دون «متروبوليس»، الجمعيّة وصالة السينما؟ أين نستعيد أفلام معلّمي الفنّ السابع؟ أين نكتشف السينما العربيّة المستقلّة، ونحتفي بولادة أفواج من المخرجين اللبنانيين؟ أين تجد سينما المؤلف متنفّساً لها في زمن الـ blockbuster ؟ في قاعة السينما المنذورة للفنّ السابع، والتي طوّبت نفسها باسم إحدى كلاسيكياته الخالدة.

متروبوليس» هو الاسم الذي اختارته هانية مع المجموعة المؤسسة يومذاك، تحيّة لمعلّم السينما التعبيريّة الألمانيّة فريتز لانغ. بدأت الصالة بوسائل بسيطة في الحمراء عند نضال الأشقر، في «السارولا الصغيرة»، التابعة لـ «مسرح المدينة»، وقد عاد هشام جابر فحوّلها إلى الكاباريه الثقافي الطليعي الذي يحمل اليوم اسم «مترو المدينة». لا يمكن أن ننسى أن افتتاح الصالة جاء عشيّة عدوان تمّوز، وكان أوّل نشاط فعلي لها، استضافة المهجّرين من جرّاء القصف الاسرائيلي، واقامة نشاطات ثقافيّة وسينمائيّة لصغارهم. كانت «الأخبار» أيضاً، تخطو خطواتها الأولى على هدير الطائرات المغيرة التي ترمي حقدها بالاطنان على الضاحية بمباركة «الديمقراطيّات الغربيّة». أذكر الخبر الأوّل الذي كتبناه عن هانية ورفاقها: «متروبوليس تقاوم». وقد قامت بيننا شراكة لم تتوقّف أو تخفت من ذلك الوقت.
عشر سنوات مرّت، ولم تتوقّف المقاومة: مقاومة الثقافة الرسميّة، والذوق السائد، وديكتاتوريّة السينما التجاريّة. مقاومة التصحّر الثقافي في بلد يدّعي الحضارة والثقافة، فيما يواصل غرقه في الهمجيّة الاستهلاكية، والأميّة الثقافيّة، والوعي السطحي الطالع من مستنقع الانعزاليات والعصبيّات. انتقلت الصالة من الحمراء إلى الأشرفيّة، حطّت الرحال في احدى صالات «أمبير»، ليصبح اسمها «متروبوليس أمبير صوفيل». نضجت التجربة، وتمأسست، وبات للجمعيّة دور رائد في عالم السينما الجادة، والثقافة البديلة. إستقطبت جمهوراً نوعيّاً على امتداد عروضها، ونشاطاتها، والمهرجانات المحليّة والدوليّة التي تستضيفها، والأسابيع والتظاهرات الخاصة التي تنظمها احتفاء بالسينما الحقيقية، سينما الفنّ والمخيّلة والفكر والابداع. لا نملك للأسف بؤر مقاومة كثيرة من هذا النوع في بيروت ولبنان. هناك تجارب مماثلة اتخذت مناحيَ مختلفة في طنجة والقاهرة وتونس وعمّان… لكن «متروبوليس» التي نحتفي بها، ونتمنّى لها النموّ والتجذر والانتشار، تبقى تجربة على حدة. إنّها اليوم مؤسسة عالميّة، تشكّل سدّاً منيعاً بوجه تهميش السينما الجادة، وتشويه الذوق. وهي تنشط في ظل خواء رسمي فظيع، وغياب تام للقطاع العام عن هذا المرفق الذي يصنع المواطن، ويوطّد اللحمة الأهليّة، ويعزّز الثقافة البصريّة والأدبيّة والموسيقيّة، ويمجّد الحوار والاختلاف والعقلانيّة والذوق والمخيّلة والموهبة والمعرفة، ويبعد شبح التمزّقات والردّات والفتن…
اليوم، في عيدها العاشر، يمكننا القول إن «متروبوليس» ربحت رهانها. لذا سنذهب مساء الجمعة للاحتفال. سنجدد العهد مع «صالة الفن والتجربة» التي تدافع عن السينما النوعيّة: تلك التي كاد يُحرم منها الجمهور اللبناني المتروك في مهبّ سينما تجاريّة، كيّفت ذائقته وطريقته في المشاهدة، وفرّغت مخيلته، وشوشّت وعيه بخطاب مسموم، وغسلت دماغه بقيم الخير الأميركيّة وأسطورة التفوّق المتواصلة بنجاح كبير منذ فتوحات الكاوبوي الأوّل. أحفاد جون واين يمتطون اليوم آلات غريبة تنفجر طول الوقت، ويُخضعون «أشرارهم»، أو «هنودهم الحمر»، ليس فقط في ديار العرب وأرض الاسلام، بل في مختلف المجرّات والكواكب. نعم الدفاع عن السينما البديلة، هو أيضاً مقاومة لهيمنة الأيديولوجية الهوليوديّة الأميركيّة على العالم.