إذا راجعنا دوراته السابقة، نجد أن التوجّه العام لـ «إهدنيات» ينحصر عموماً بالتجارب الفنية الشعبية المحترمة أو الشعبوية التجارية. هذه السنة، قام المهرجان الشمالي بخطوة أولى نحو تجربة تعدّ نخبوية بعض الشيء مع تنظيم أمسية خاصة بالغناء الأوبرالي المنفرد والجماعي. إنها خطوة جيدة ودقيقة في آن من دون أن تعتبر مغامرة بالمعنى السلبي للكلمة. المسألة لا تتطلب إلا القليل من الوعي من جانب واضعي برنامج الأمسية، من حيث ضرورة الأخذ في الاعتبار أنّ الولوج إلى عالم الأوبرا يحصل تدريجاً من خلال مداخل سهلة، تستسيغها الأذن العادية. بمعنى آخر، لا يجوز التعاطي مع الجمهور اللبناني (وتحديداً في المهرجانات غير المقصودة من النخبة) كما لو أننا في نابولي أو في فيينا. تنفير الناس من مادة موسيقية لا يعني أنها رديئة، صحيح، لكن ليس بالأمر الحتمي أن يصل جمالها وقيمتها إلى الجمهور. والأكيد أنّ لعبة التعويل على كلاسيكيات سهلة المقاربة ليس فيها الحد الأدنى من التنازل، بل يكمن فيها كل الاحترام والهمّ الإنساني تجاه من يرغب بالمعرفة. الأوبرا عالم مجهول بالنسبة إلى كثيرين، بالتالي لا يجوز أن يحمل «اللقاء الأول» مفاجآت غير سارّة، والمقصود بذلك المقتطفات التي تتطلّب ثقافة موسيقية متقدّمة وما فوق.

في هذا السياق، يستقبل مهرجان «إهدنيات» أمسية غنائية أوبرالية في 30 تموز (يوليو) الجاري، تجمع موسيقيين ومغنين من لبنان وإيطاليا تحت إشراف الأب توفيق معتوق الذي يملك خبرة محترمة في مجال الأوبرا والأعمال الغنائية الدينية. بالتالي، هو قادر على استشعار حساسية الجمهور تجاه هذا الريبرتوار ووضع هدف وحيد للأمسية هو إمتاع الجمهور من خلال برنامج ينسج بذكاء وحنكة.
يجمع هذا الموعد، المسمّى Concerto Delle Stelle (حفلة النجوم)، جوقة الجامعة الأنطونيّة و«أوركسترا المتوسط للشباب» (Orchestra Giovanile Mediterranea) وهي حديثة نسبياً، إذ تأسست عام 2002 وتضم مواهب شابة. هذه الأوركسترا الإيطالية سبق أن زارت لبنان، حيث قدّمت في كانون الأول (ديسمبر) الماضي ضمن مهرجان «بيروت ترنّم» أمسيةً أدّت خلالها، مع جوقة الأنطونية وبقيادة الأب معتوق، «قدّاس المجد» للمؤلف الإيطالي بوتشيني. أما على صعيد الغناء المنفرد، فاللائحة أيضاً تتوزّع بين لبنان وإيطاليا، وتضم بشارة مفرّج وروجيه أبي نادر وألين معلوف وفرانشيسكو فولتادجيو و سلفاتوري غريغولي.
بشارة مفرّج هو تينور حائز شهادة ماجستير في الموسيقى من لبنان. انتقل إلى إيطاليا لإكمال دراسته مع أساتذة الغناء في بلد الأوبرا وسبق أن غنّى بمرافقة «أوركسترا المتوسط للشباب» وأيضاً «أوركسترا قطر الفلهارمونية». الباص اللبناني المشارك في الأمسية، روجيه أبي نادر، درس أيضاً في المعهد الوطني العالي للموسيقى في بيروت. في ريبرتواره أداء شخصية «بارتولو» (دور ثانوي) في أوبرا «زواج فيغارو» لموزار كما شارك في مهرجان «بيروت ترنّم» مؤدياً مقتطفات من أعمال لروسيني وموزار. أما الوجه اللبناني الثالث في Concerto Delle Stelle فهو السوبرانو ألين معلوف التي تلقت دروسها الموسيقية في لبنان قبل أن تنتقل إلى ليون لمتابعة الدراسة والتدرّب مع أساتذة غناء أوبرالي في فرنسا. من إيطاليا يشارك في الأمسية الباريتون الشاب فرانشيسكو فولتادجيو وكذلك مواطنه و«زميله» في الطبقة الصوتية سالفاتوريه غريغولي. الأخير يعود إلى لبنان بعد مشاركته السنة الماضية في غناء منفرد بـ «قدّاس المجد» المشار إليه أعلاه، وهو عملٌ شارك فيه أيضاً التينور بشارة مفرّج.
نودّ أخيراً لفت نظر القيّمين على «إهدنيات» إلى الانتباه لأهمية الموقع الإلكتروني الذي يعدّ نوعاً من سيرة المهرجان الذاتية بالنسبة إلى الجمهور والفنانين على السواء. فهو الوسيلة الأكثر استخداماً للاطلاع على فعاليات المهرجان المرتقبة وعلى نشاطاته السابقة. الموقع موجود، لكنه، للأسف، غير نافع (في هذه الحال من الأفضل تعطيله) في الوقت الذي يعوّل المنظمون على حساب «إهدنيات» على الفايسبوك، وهذا غير كافٍ وغير جدّي.