مِن تراجع نسبي إلى تقدّم نسبي، ثم مِن تقدّم نسبي إلى تراجع كلّي. هذه هي حال الموسيقى الكلاسيكية الصامتة (الآلاتية) التي تغيب بشكلٍ تام عن المهرجانات السياحية اللبنانية هذا الصيف. لكن إذا وسّعنا المروحة الكلاسيكية الغربية لتشمل الغناء الأوبرالي، نجد أنّ الوضع كان دائماً يراوح بين المقبول والجيد جداً. هذا الصيف، يغيب الغناء الأوبرالي (وطبعاً الأعمال الأوبرالية الكاملة) عن جميع المناطق باستثناء زوق مكايل التي لطالما اهتمّ مهرجانها برموز الصف الأول في هذا المجال. الأهم أن «مهرجانات زوق مكايل الدولية» لم تعوِّض في دورتها الحالية النقص في المهرجانات الأخرى فحسب، بل أيضاً غطّت التراجع الذي طالها السنة الماضية على هذا الصعيد. فالـ «زوق» التي عوّدتنا على الأمسية الأوبرالية المرموقة في 2011 (بلاسيدو دومينغو) و2012 (خوسيه كاريراس) و2014 (برين ترفِل) تضرب موعداً ثنائياً من الفئة الأولى في الغناء الأوبرالي، إذ تستضيف في ليلة واحدة (12/7) العملاقَين الباريتون برين ترفِل (مرّة جديدة) والتينور جوزيف كاليخا، هذا بالإضافة إلى السوبرانو الأميركية من أصل بنغالي روسي مونيكا يونس التي باتت من ثوابت المهرجان الكسرواني.

قبل الدخول في تفاصيل هذه الأمسية، لنعد قليلاً إلى الشق الآخر، المسمّى صامتاً، من الموسيقى الكلاسيكية الغربية. لماذا تراجع حضور هذه الموسيقى في المهرجانات إلى درجة الغياب الكامل هذه السنة؟ أين تكمن المشكلة؟ ما هو الحل؟ لنعتبر أنها مسألة تكلفة عالية. حسناً، نعم، إن دعوة أوركسترا مرموقة تكلّف مئات آلاف الدولارات. لكن ألا يوجد بدائل؟ ليس المطلوب «أوركسترا فيينا الفلهارمونية» ولا الـ «غيفاندهاوز» ولا «أوركسترا الراديو البافاري» ولا «برلين» ولا أوركسترات الصف الأول الأميركية (لوس أنجلس، فيلادلفيا، شيكاغو، نيويورك، كليفلند…). في الواقع، الأوركسترات ليست هي المطلوب أصلاً. المطلوب عازف بيانو فئة أولى أو ثانية، تسهل إدارة زيارته إلى لبنان (باعتبار أنه فردٌ قد يأتي معه مدير أعماله ومهندس صوت) وآلة مرتّبة يمكن استئجارها بمبلغٍ لا يزيد عن سعر عشرة بطاقات VIP… وجاط فاكهة يروي غليل الفنان أثناء الفاصل بين دفّتَي برنامج الأمسية! الغريب في الموضوع أن الأسماء التي يمكن ترشيحها لهذه الغاية عددها بالعشرات وقادرة على ملء مدرّجات المهرجات بسهولة. نضع هذا المقطع برسم اللجان المنظِّمة لجميع المهرجانات اللبنانية، وبالأخص «بعلبك» و«بيت الدين» و«بيبلوس» (الذي دعا عام 2014 عازف البيانو الصيني الأول في العالم لانغ لانغ وكانت الأمسية ناجحة لجهة كثافة الحضور).

كاليخا صاحب صوت ذي نبرةٍ جميلة وطاقة كامنة في المقتطفات الحزينة الهادئة

إذاً، في «مهرجانات زوق مكايل الدولية» برنامج مختصر هذه السنة (ليلتان فقط). الأولى مخصّصة للمقتطفات الأوبرالية من غناء منفرد وثنائيات. كما أشرنا في السياق، تجمع هذه السهرة ثلاثة أسماء. الأول، الباريتون برين ترفل (مولود في وايلز عام 1965) الذي يعدّ من أهم سفراء طبقته الصوتية في الغناء الأوبرالي في العالم اليوم. ريبرتواره ضخم، تحتلّ فيه أعمال موزار المرتبة الأولى من حيث القيمة (وبالأخص الثلاثية الإيطالية «كوزي فان توتيه»، «زواج فيغارو» و«دون جيوفاني») وكذلك أعمال فاغنر، تليها أعمال مؤلفي الأوبرا الطليان (فيردي، بوتشيني، دونيزيتي…). إلى جانب أدواره الكثيرة في الأوبرا، أصدر ترفِل تسجيلات لمقتطفات غنائية، صدرت عند ناشرين مرموقين أوّلهم الألماني «دويتشيه غراموفون». برين ترفِل معروف نسبياً حتى خارج المهتمّين جداً بالأوبرا. لكن المفاجأة هذه السنة هي التينور جوزيف كاليخا (مولود في جزيرة مالطا عام 1978). فإذا استثنينا الألماني يوناس كاوفمان الذي سرق الأضواء عن جميع مواهب الجيل الجديد من فئة التينور، يُعتبر كاليخا الورقة الرابحة التي عوّضت نسبياً رحيل بافاروتي بالنسبة إلى الناشر العريق Decca. فالرجل صاحب صوت ذي نبرةٍ جميلة وطاقة كامنة في المقتطفات الحزينة الهادئة ومنطلِقة في تلك الهجومية. بعد فوزه في مسابقات غناء مرموقة، راح جوزيف كاليخا يلعب دوره كمغني أوبرا قدير، يصدح صوته بلغة هذا الفن الأولى، أي الإيطالية، وكذلك بالفرنسية، لكنه لم يطرق بعد باب الأعمال الألمانية التي لا مفرّ منها عاجلاً أم آجلاً. هكذا لعب على المسرح أدواراً كبيرة في أعمال فيردي وبوتشيني وبلّيني ودونيزيتي وروسّيني وموزار (أوبرا «دون جيوفاني» فقط) وغيرها، ثم سجّل أسطوانات حوت مقتطفات أوبرالية، سيختار منها بالتأكيد في الأمسية التي تجمعه بزميلَيه برين ترفِل ومونيكا يونس. نذكر هنا أن السوبرانو المذكورة، وقبل أن تصبح من الأسماء الثابتة في برنامج «الزوق»، سبق أن زارت لبنان عام 2008 ضمن إطار «مهرجان البستان».
البرنامج غير معروف، لكن إن أخذنا في الاعتبار أن الظهور على المسرح سيتوزّع بين الغناء المنفرد والثنائيات (ترفِل/ كاليخا، ترفِل/ يونس وكاليخا/ يونس) يمكن التوقّع أنه سيتركّز أولاً على المقتطفات الإيطالية (لمؤلفين إيطاليين أو لموزار) وقد نسمع أعمالاً فرنسية أو ألمانية. وتجدر الإشارة إلى أن الأوركسترا التي سترافق المغنين الثلاثة في هذه الأمسية هي «الوطنية الفيلهارمونية اللبنانية» بقيادة غاريث جونز الذي يميل إلى الأعمال الأوبرالية تحديداً، وسبق له أن قاد الأوركسترا اللبنانية خلال زيارة مواطنه برين ترفل الأولى إلى لبنان قبل عامين. هكذا، يمكن القول ختاماً، إن كل ما سبق يجعل عناصر افتتاح «مهرجانات زوق مكايل الدولية» مكتملة.
إذا استثنينا أمسية الأوبرا الممتازة في «الزوق»، وكما أشرنا في السياق، لا وجود لا للأوبرا ولا لغيره من أشكال الموسيقى الكلاسيكية في المهرجانات العريقة، لكن ثمّة محاولة في هذا الاتجاه تأتينا في مهرجان «إهدنيات» الشمالي، نتناولها في مقالة مستقلة في هذه الصفحة.