خيط رفيع يجمع البوسّا- نوفا والفادو والفلامنكو رغم الاختلاف الفنّي بين هذه الأنماط. بين الفلامنكو الإسباني والفادو البرتغالي علاقة جارَين من غرب أوروبا، يمثلان الموسيقى الشعبية الرسمية كلٌ في مجتمعه. وبين الفادو البرتغالي والبوسا-نوفا البرازيلية علاقة لغة بين بلدين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات من المحيطات.

في المهرجانات الصيفية لموسم 2016، تحضر هذه الأنغام الاسبانية والبرتغالية والبرازيلية في أمسيتَين اثنتين، الأولى ضمن «مهرجانات بيبلوس الدولية» والثانية ضمن «مهرجانات بيت الدين الدولية». وفي الواقع، تبدو هذه الأمسيات طبيعية، إذ أن الموسيقى اللاتينية عموماً تكاد لا تغيب أبداً عن برامج مهرجان أو أكثر في كل سنة، بأشكال مختلفة، كلاسيكية حيناً أو معاصرة حيناً آخر.
نبدأ من «بيبلوس» الذي يستضيف على مسرحه البحري أمسيةً لم يشهد لبنان بأهميّتها منذ سنوات، في فئتها طبعاً — أي موسيقى البوسّا-نوفا البرازيلية — مع اثنين من رموزها القدامى. هكذا يطل من جبيل في 16 تموز (يوليو) الجاري الثنائي البرازيلي عازف الغيتار الشهير توكينيو والمغنية ماريا كروزا لتقديم برنامجٍ من كلاسيكيات البوسّا- نوفا. أي تلك العناوين التي غزَت القلوب والعالم قبل عقود، بأصوات روّاد هذا اللون الحديث نسبياً (أكثر بقليل من نصف قرن) أمثال أسترود، وجواو جيلبرتو، وماريا توليدو، وبتواطؤ فنّي مع كبارٍ في مجالهم، كعازف الساكسوفون ستان غاتس. الثنائي الضيف هو من رفاق درب دي مورايس، شاعر البوسّا الأول وشريك جوبيم في صناعة أغنياتٍ لم ينجح في النسج على منوالها حول العالم سوى قلة (زياد الرحباني من هذه القلّة الممسكة بأسرار صناعة البوسا-نوفا لمن لا يدرك ذلك).
في «بيت الدين» أمسية مزدوجة (9/8)، تلتقي فيها الجارتان الأوروبيّتان اسبانيا والبرتغال، ممثَّلتان بالموسيقى الشعبية الرسمية لكل منهما، أي الفلامنكو الحامي والفادو الحزين، رغم الاختلاف الكبير بين هذين النمطين. من اسبانيا، تحضر المغنية السمراء الشقية صاحبة الصوت «الفلامنكي»، بويكا. تمتلك هذه الفنانة البحة المرتبطة عضوياً بأداء هذا اللون الموسيقي/الغنائي، وتقدّم الفلامنكو بأسلوب خاص، تبتعد عنه أحياناً لتصل إلى السَلسا الكوبية وبعض الجاز. أمّا شريكتها في الأمسية، المغنية البرتغالية الشابة كارمينيو، فتقدّم أغنيات الفادو على خطى كبيرة رموزه أماليا رودريغز، وعلى منوال زميلاتها مِن حافظي هذا الإرث في العالم اليوم، أمثال كريستينا برانكو وقبلها ميسيا (زارت لبنان سابقاً) وغيرهما.
بين شروق الشمس على الشواطئ الغربية للبرازيل وجنون الشهوة الثائرة ثوَران الثور على التوريرو والحزن المخيِّم على موانئ ومواخير ليشبونة، تختبر النفس في هاتين الأمسيتَين ثلاث حالات مختلفة وجميلة، فيها نكهة شعوب أخرى وفيها أيضاً روح الإنسان أينما كان.