إننا أمام «معركةٍ فنية» لا مجرد عملٍ فني عادي. هكذا استقبلنا إيفان كركلا مخرج عرض «إبحار في الزمن: ع طريق الحرير» الذي تقدّمه فرقة «كركلا» ضمن «مهرجانات بعلبك» (22 و23 تموز/ يوليو) هذا الصيف. يشرح إيفان «هي معركة فنّية، لأنها تحد للذات، فالفنان الذي يتحدى ذاته يبدأ بالدخول إلى معركة كي لا يكرر ذاته، وكي يكون فنّه مواكباً لعصره». هنا يحضر السؤال أليس «آل» كركلا وفرقتهم يغوصون دوماً في التاريخ لخلق أعمالهم؟ يجيبنا: «نحن نغوص في الماضي، لكننا نقدمه بطريقةٍ تعبيرية معاصرة». كمشاهدين، سنكون أمام أمام عملٍ يشد التاريخ ليستلهم حاضراً بشكلٍ أو بآخر، فالحكاية تبدأ في عصرنا الحالي عن شاب يدخل هيكل جوبيتر في بعلبك، واضعاً قلادةً من عصورٍ غابرة. يجد نفسه فجأة في الماضي حيث قريةٌ تنطلق منها قافلةٌ باتجاه الشرق ضمن ما عرف يوماً باسم «طريق الحرير». يعتقد كثيرون أنّ تلك الطريق واحدة، لكن تاريخياً هي أكثر من 200 طريق يودي كلها إلى الصين. تنطلق تلك الرحلة ـ كما العرض- بحثاً عن ابن ماجد البحار العربي المعروف (رافق المستكشف فاسكو دي غاما سابقاً) الذي كان متواجداً في عُمان، وصولاً إلى الصين حيث نتعرف إلى ثقافتها وإمبراطورها الذي يعجب بالقادمين من بلاد الحرف ويكرّمهم بإعطائهم تلك القلادة التي تفتح أمامهم أبواباً كانت مغلقة. لا تغيب ثقافات المنطقة أبداً عن سياق الرحلة، إذ تزور القافلة عبر طريقها بلاد فارس، فتسمع أغنيات أصفهان وقصائد حافظ الشيرازي شاعر فارس الأعظم، وعمر الخيام، وجلال الدين الرومي وصولاً حتى طريق العودة إلى بلاد الأرز لبنان، والقرية القابعة في بعلبك مدينة الشمس.

تأتي «إبحارٌ في الزمن» لتحتفل بمرور 60 عاماً على «مهرجانات بعلبك». أمر يعطيه كركلا الابن بعداً تاريخياً وقيمةً حضاريةً بالغة، مؤكداً أنها مسؤولية كبيرة: «ليس هناك من فنانٍ لم يشعر ويفتن بسحر بعلبك، من أم كلثوم إلى مايلز ديفيس. بعلبك فيها نوعٌ من عبادةٍ فنية، وحين يذهب كركلا ليعرض في بعلبك، لا يفعل لأنه من أهل بعلبك فحسب، بل لأنّه يعرف قيمة ماذا يفعل. إنها أشبه بتقديم الأضحية للآلهة القديمة، لكن هنا نحنُ نقدّم عملنا على أدراج القلعة الخالدة». لماذا «طريق الحرير» إذاً؟ يستعيد كركلا فكرة أن الكثير من الناس حين يسمعون كلمة «طريق الحرير»، يستذكرون ماركو بولو، مع العلم بأنّ البحار والمغامر الإيطالي ليس إلا واحداً ممن مشوا في هذه الطريق. وسبب شهرته أنّه حال عودته وسجنه في جنوى، وجد من يكتب قصته لتجعله مشهوراً للغاية. «اخترناه لأننا بحاجة للقيم التي بتنا نفقدها يوماً بعد يوم، القيم الإنسانية التي توحد الناس، وبسبب فقدان الأجيال الجديدة التواصل مع التراث الذي يجمعها ويجمعنا مع غيرنا من الشعوب. التراث يعطيك هوية، والهوية تعطيك ثقافة، والثقافة تعطيك قوة، هذا أمرٌ نفقده، ونفقد التلاقي مع شعوب المنطقة حولنا، وبتنا نتفرق ونتجزأ». إذاً ماذا عن التسمية؟ يشير كركلا: «نحن لم نسمّه طريق الحرير فقط لأننا نحكي عن هذه الطريق، بل نستوحي قصة منها، كي نقول بأن طريق الحرير كانت الشرايين التي تمر في هذه المنطقة، وربطت الناس ببعضهم، حيث لا يعود هناك آخر، وعدو، فيصبح الناس جميعهم شركاء وقريبين من بعضهم وتختفي الحواجز والحدود؛ من هنا جاء شعار العمل: عالمٌ واحد، إنسانية واحدة».
لا تعرف فرقة «كركلا» إلا الأعمال الضخمة. تحضر في العمل أسماءٌ كبيرة مثل هدى حداد، إيلي شويري، جوزيف عازار، رفعت طربيه، سيمون عبيد فضلاً عن غابريال يمين، الكو داوود، نبيل كرم، علي الزين، وروميو الهاشم، إضافة إلى الراقصين الذين يفوقون المئة. يعلّق كركلا: «طبعاً لقد بات أمراً واضحاً، كركلا لا يعرف إلا أن يقوم بأعمالٍ من هذا الحجم؛ لكن في الوقت عينه، فإن العمل الكبير هو سيف ذو حدين. بعد عرضه مثلاً على مسرح هائل الحجم مثل بعلبك، أين ستعود لتقديمه؟ هذا العمل يشارك فيه أكثر من 150 شخصاً على المسرح، فضلاً عن 40 خلف الكواليس؛ أنت مضطرٌ حكماً إذا أردت إعادته وتقديمه من جديد إلى تصغيره وتقليل عدد المشاركين فيه».
يحضر في العمل مشاركون من الصين، والهند، وإيران كمؤدين، لأنه بحسب كركلا: «حين ندخل المدينة الصينية كزايان، علينا أن نرى راقصين حقيقيين من الصين. وحين نصل إلى الهند نجد 13 راقصاً، ومغنين أتوا من الهند خصيصاً للمشاركة بالمسرحية. وحين نصل إلى شيراز وأصفهان، نجد موسيقيين إيرانيين». يضاف إلى كل هؤلاء الفريق التقني المعتاد لكركلا القادم من إيطاليا. لكن ماذا عن الديكور؟ يؤكد مخرج العمل أنَّ الديكور صُنع في أهم مصانع هذا النوع من الديكورات في إيطاليا: «أنا أصنع الديكورات حيث كان زيفيرلي يصنع ديكوراته» (نذكّر هنا أنّ إيفان كركلا تتلمذ على يد المعلم الإيطالي فرانكو زيفيرلي وعاش معه لأكثر من خمس سنوات). الديكور بحد ذاته سيكون مفاجأة كبيرة». في الختام نسأل عن مشاركة الوالد ومؤسس الفرقة عبدالحليم كركلا، ليؤكد لنا الابن بأنَّ الوالد يشارك كمدير فني في العمل، «فنحن نتعلّم منه. المدرسة الأكبر هي عبدالحليم كركلا، مهما تعلمنا ودرسنا في الخارج وفي الجامعات الكبرى، فهو يمتلك تلك الهوية العربية الجامعة والمتميزة التي نقدّمها بهذا الشكل. ومهما عمل معنا آخرون –سواء أكانوا أجانب أم عرباً- فإنهم في النهاية يتبعون فكراً أرساه وكتبه عبدالحليم كركلا».