في مئوية الفنان الراحل زكي ناصيف (1916 ــ 2004)، خصصت إدارة «مهرجانات بيت الدين» أمسية تحتفي بمنجزات ناصيفية تحت عنوان إحدى أشهر أغنياته «يا عاشقة الورد» (29 تموز/ يوليو). أمسية رهيفة تجمع بين سمية بعلبكي، ورنين الشعار، وزياد الأحمدية وجوزف عطية، تحت إشراف عازف البيانو غي مانوكيان.

أدرك الراحل مئة أغنية، هو الغريب، الأكبر من عمره، المسافر الى دواخلنا بشفافية أغنياته. في أغاني ناصيف ذلك التناسق البديع والصلات البلاغية غير المرئية بين الفولكلور اللبناني والفولكلور الروسي. أغنية لا تخادع سامعها ولا تكذب عليه، أغنية تدوين، وكتابة موسيقى، وأغنية تُخصّبها الهارموني الشرقية التي تقترب بشكل عفوي من الهارموني الغربية. وهذا واحد من أشكال ميزاته وسيرورة خاصة بالحلم، فعند ناصيف تلك الطاقات الحلمية التي تحثّ على عوالم بريئة وطيبة.
ما من أغنية جامدة أو فوتوغرافية عند ناصيف. هو يذهب بالسامع الى أقصى الخيال. ما من نزوات أو صراخ أو «عرض عضلات». عنده ذلك الذكاء الفاتن في إدارة أغنيته بفكر وأبعاد عدّة. أما ناصيف الثوري بطبعه رغم لطف صورته، فيتظهّر في النبرة الميتافيزيقية في أغنية السوري القومي الاجتماعي ابن المدرسة المادية الروحية. قفزة فوق الفكر العقائدي الى الفكر الموسيقي. هذا في باب الأسطورة عنده، وهو على قدر أسطورته.
قرّب الهارموني الغربية من الموسيقى الشرقية، ما دّل على ثقافته العالية من دون مواقف راديكالية معروفة في هذا المجال. الأخوان رحباني فعلا الأمر عينه. كذلك فعله توفيق الباشا وبشكل أقل توفيق سُكّر في ما سُمّي وقتها بـ «عصبة الخمسة» التي حرصت على تدوير الرقم ليتماثل مع عصبة الخمسة الروسية.

أمسية تجمع
سمية بعلبكي، ورنين الشعار، وزياد الأحمدية وجوزف عطية

لم يمل ناصيف من تأسيس مجموعة فنية. وجد نفسه في قلب العالم الموسيقي لا على طرفه. سحرتهُ الموسيقى كما فعل الرسم بغوغان وشاغال، حتى أخذته الى مساره الجميل، الفريد في قفلات اغنياته.
قارب البشارف الكلاسيكية الشرقية وبعض نثار الموشح الأندلسي، بعيداً من الزجل والمواويل. فقط إطلاقات سهلة للدخول الوئيد بالأغنية.
ثمة ملمح كنسي في أغنية ناصيف متأتٍّ من الكنيسة المشرقية. هو رجل موسيقى يقترب في عمقه من سيّد درويش، وسلامة حجازي، وعبده الحامولي، ومحمد عثمان، أصحاب النصوص الموسيقية ذات الروح الإنسانية العالية. لا إطناب ولا عنتريات بل ملاقاة اللحن من دون تحديد موعد.
العتابا موجودة عند ناصيف، والميجانا والدلعونا والروزانا، تتغيّير بتغيرات الحضور السريع للحن على روح ناصيفية تأصيلية تحتاج الى الكثير من الشجاعة والبذل والكرم. «يا عاشقة الورد» تبدو كالعمود الفقري للغناء، أغنية عاطفية ورغيف مخبوز بتمتمات قروية مباركة.
لا تترجم الأغنية الا روح صاحبها لأن طبائعها بسيطة. نعني هنا البساطة لا التبسيط، البساطة التي تطرح مشروعاً في الغناء لا إعلاء شخص بذاته، فناصيف صاحب مشروع موسيقي وحسب.
في أغنيته أيضاً العنفوان والعمل على المصادر الأسطورية الشعرية والغنائية بتلقائية لأن التعقيد يُتلف مزاج ناصيف الذي يتوخى التعبير، وبقوة، تحويل تاريخ الأسطورة الى واقع معيشي.
منح ناصيف نفسه حرية التفكير المفضي الى الحرية. الرحابنة قاربوا الفولكلور القروي والريفي، ولنقل إنّ ناصيف عمل على الفولكلور السواحلي بكل الاهازيج والإيقاعات والأداءات الحنونة. أغنيته اغنية ملاك، محتشدة بضوء «القرادي» في منشأ سرياني. بدل غناء الدلعونا مثلاً، ابتكر ناصيف منها أغنية وعملاً يُشبهه.
أغنياته رسائل غبطة لم تقطع مع الماضي ولم تحطّم الصلات. اللحن السرياني ذو البناء التعددي للأوزان. الساعة المعلقة على الحائط بالنسبة إلى ناصيف لا تعني بالضرورة صلب الزمن. ارتبطت أغنيته بخامته الصوتية وبطبيعة صوته الذي أضاف على الألحان لأنّه مُكمّل لها. كما أفرد حيزاً للكورس، واحتفى به، ما يصلح لتطوير المسرح الغنائي. «نزلت تتنّقل، هللي يا سنابل هللي» دخل فيها الى قعر الروح بقلب معرفي لا يهدأ عن البحث والتحديث. استخدم اللوازم الموسيقية «خيام الهنا»، الأهزوجة البدوية البعلبكية «غابت الشمس» كثمرة ثقافة غربية/ شرقية.
جمع ناصيف «المجوز» والبيانو على سوية واحدة، كما فكك المفردات الموسيقية، وغنّى البياتي الشرقي الشبيه بـ «العدّيات» (بياتي شرقي على وزن مار افرام) «ميجانا ياميجانا/ دبكتنا عالميجانا/ انتو بميل ونحنا بميل/ يسواكن ما يسوانا». أغنية ناصيف، السوري القومي الاجتماعي «راجع راجع يتعمّر» قاهرة بجمالها، وفي «طلوا حبابنا» نرى ظلال وجه ناصيف نفسه. مئة عام على الولادة.




على البرنامج

ستقام الحفلة بإشراف غي مانوكيان توزيعاً وعزفاً، بمصاحبة فرقته الضخمة المؤلفة من أربعين عازفاً، فيما القيادة لإيلي العليا. الكورال المُصاحب (20 منشداً ومنشدة) يرافق تناوب المغنين والمغنيات على أغاني ناصيف، من سمية بعلبكي في «تسألني الحسناء» و«يا عاشقة الورد»، الى أغنيات أخرى قد يتم تعديلها في فترة لاحقة. تليها رنين الشعار التي تنفرد بـ «أهواك بلا أمل» و«ندّي النسايم يا هوى»، و«بلدي حبيبي»، و«حبايبنا حوالينا». أما جوزف عطية، فيطّل في: «اشتقنا كتير يا حبايب»، و«يا جار الرضا»، و«هما يتجرّح»، فيما يغني زياد الأحمدية «نقيلي أحلى زهرة»، و«حلوة ويا نيالها». هذه المختارات قابلة للتعديل وفق ما أفاد مانوكيان الذي ترك للكورال حصته منفرداً في غناء: «طلوا حبابنا»، «تسلم يا عسكر لبنان»، «راجع راجع يتعمر».