على غير عادة، فرغت جعبة «مهرجانات بيبلوس الدولية» في دورتها هذا الصيف من فرق الروك البديل الحديث الغربية التي ينتظرها منه جمهورٌ بغالبيته من طلاب الجامعات. كذلك هي الحال مع فرق البوب-روك الجديدة التي تهمّ الجمهور الذي يختبر أول نشاطاته في حضور الحفلات الحية من جيل المراهقين. كذلك، تغيب عن برنامج «بيبلوس» هذه السنة أساطير الروك الآتية من زمن العز. غير أنّه استعاض عن ذلك بأيقونة من الثمانينيات، قادرة على تلبية رغبات الجيل الجديد ممن يعرفها أو لا يعرفها، من جهة، وجذب جيل عايش في شبابه آخر تجارب البوب الجيدة وشهد انحدار الموسيقى الشعبية في العقدين الأخيرين. إنها المغنية، الممثلة وعارضة الأزياء غرايس جونز (24/7).
Nightclubbing يعدّ لغاية اليوم من أنجح تسجيلاتها على الإطلاق


أوّل ما يخطر في الذهن عند رؤية صورة جونز في الإعلان عن حفلتها في جبيل، هو الرغبة في معرفة عمر هذه السوبر امرأة. الزمن يمرّ بسرعة وقد يخدع الذاكرة أحياناً والصورة لا يعوَّل عليها في عصر الكمبيوتر وأعاجيبه. نلجأ إلى سيرتها على الانترنت لنتأكد من أنّ غرايس جونز التي لا تزال بكامل أناقتها الجسدية كما يبدو، تبلغ 68 سنة! بينما الرقم الذي نراه واقعياً إذا ما أردنا تقدير عمرها، لن يتجاوز الـ45. نعم، هذا الخطأ ينتج عن غيابها النسبي عن الأضواء (الموسيقية، تحديداً الإصدارات الجديدة) فترات طويلة، مثل فاصل العقدين بين ألبومها ما قبل الأخير الذي صدر أواخر الثمانينيات وعملها الأخير الذي صدر عام 2008. أضف إلى ذلك أن ملامح الفرس السمراء، تبدو كأن الزمن مرّ قربها ولم يدركها. يبقى أن نرى مدى حفاظها على طاقاتها في الاستعراض والغناء، والأرجح أنْ على هذا الصعيد أيضاً، لم يتغيّر شيء بالمعنى السلبي.
غرايس جونز مولودة في جامايكا عام 1948، أي في بلد بوب مارلي الذي تأثرّت به جونز بالتأكيد، من خلال بعض أغنياتها ذات النَفَس الاحتجاجي أو من خلال أخرى حملت ملامح موسيقى الريغي، ولو بأسلوب خاص بها، أقل كلاسيكية من توجّه مواطنها المؤسِّس. في سيرتها الذاتية (صدرت السنة الماضية وتحمل عنواناً تهكمياً هو «لن أكتب مذكراتي أبداً») التي يُعمَل حالياً على نقلها إلى السينما، تروي ضيفتنا حياتها الصاخبة بين بلدها جامايكا حيث ولدت وربّاها جدّاها بعدما انتقل والداها إلى الولايات المتحدة الأميركية. لحقت الفتاة الصغيرة بأهلها، إذ أكلمت تعليمها في أميركا قبل أن تبدأ حياتها المهنية في نيويورك كعارضة أزياء. بعدها، سافرت إلى عاصمة الأزياء والموضة باريس لتكتسب شهرتها العالمية في هذا المجال في السبعينيات. في تلك الفترة، أي في النصف الثاني من السبعينيات، انخرطت جونز في عالم الموسيقى والسينما أيضاً. أصدرت أول أسطوانة خاصة بها عام 1977 بعنوان Portfolio حيث تماهت في تلك الحقبة مع موجة الديسكو التي كانت رأس حربة الموسيقى الراقصة في العالم. كذلك، ونتيجة علاقتها بباريس، استعادت جونز اثنتين من أشهر ما أنتج في الأغنية الفرنسية على الإطلاق، أي أغنية إيديت بياف La vie en rose (وهي من أولى نجاحاتها الشعبية الكبيرة) وتحفة بريفير/كوزما Les feuilles mortes.
شاركت مع بافاروتي في مشروعه الداعم لقضايا إنسانية حول العالم

إذاً، تلا انطلاقة عارضة الأزياء الجامايكية في عالم الغناء، صدور أشهر ألبوماتها مطلع الثمانينيات مثلWarm Leatherette وطبعاً Nightclubbing الذي يعدّ لغاية اليوم من أنجح تسجيلاتها على الإطلاق. العمل الأخير حوى استعادات لأغنيات (أو ألحان) أسماء كبيرة مثل دايفد بووي وإيغي بوب وطوم بيتي، بالإضافة إلى نسخة معاصرة اشتهرت جداً من رائعة أستور بياتزولاّ Libertango وحملت عنوان I’ve Seen That Face Before. بالمناسبة، تعتبر مقاربة جونز لعمل بياتزولاّ، المقدّمة التي مهدّت بشكل غير مباشر لأسلوب فرقة Gotan Project الفرنسية (زارت «بيبلوس» قبل أكثر من 10 سنوات) في مشروعها الناجح جداً تجارياً (والمقبول أيضاً موسيقياً) على عصرَنَة التانغو الأرجنتيني. في أواسط الثمانينيات، كانت لغرايس جونز مشاركة سينمائية أساسية في مسيرتها (مع النجم الأميركي أرنولد شفارتسينيغر ومع رودجر مور في أحد أفلام «جايمس بوند» التي تعود إلى تلك الفترة) قبل أن تعود إلى الموسيقى مع أكثر من إصدار آخرها آنذاك Bulletproof عام 1989، وهو آخر ألبوم كامل لها لغاية صدور Hurricane عام 2008. في التسعينيات، أصدرت جونز أغنيات مستقلة ومثّلت في فيلم Boomrang (وساهمت في الشريط الموسيقي للفيلم من خلال أغنية 7 Days Weekend). مع الألفية الجديدة، خفَتَ نجمها نسبياً، علماً أنها شاركت مع التينور الراحل بافاروتي في إحدى محطات مشروعه الداعم لقضايا إنسانية حول العالم (Pavarotti and Friends) قبل أن تعود إلى الساحة بالألبوم الأخير الآنف ذكره وتقيم حفلات عدة حول العالم، أي في الجولة الترويجية التي تلت صدوره. هذه الجولة الكبيرة كانت الثالثة والأخيرة في مسيرة غرايس جونز، بعد الجولتَين اللتين تعودان إلى مطلع الثمانينيات ومطلع التسعينيات على التوالي.
في الواقع، تعدّ غرايس جونز من المغنيات اللواتي لم يهمّشن أيّاً من الأنماط الموسيقية التي عرفها العالم الحديث في مجال الأغنية الشعبية الغربية. في ريبرتوارها مروحة من واسعة الأصوات (بمعنى الصوت العام الذي يصنعه المنتج المرادف للموزع)، من الـRnB إلى الفانك والريغي المعاصر (Dub) والديسكو والموسيقى الإلكترونية في بدايات صعودها والبوب والموجة الجديدة (New Wave) التي لاقتها جونز على اثر نشوئها مطلع الثمانينيات. كل ذلك يذيله صوتها المميّز والمدعوم بأداء حسّاس، محمّل بمشاعر صادقة لامرأة استثنائية، حرّة، قوية ذات شخصية آسرة وحضور يفرض نفسه بسلطة الفن والقدّ الشبح الذي يملأ المكان.
انسيرت1:
انسيرت2: