في روايته الجديدة «في غرفة العنكبوت» (دار العين ـ ٢٠١٦)، لا يقطع الكاتب المصري محمد عبد النبي (1977) شوطاً كبيراً في تأكيد حضوره في المشهد الأدبي المعاصر كأحد أبرز أصوات جيله فحسب، بل ينجح أيضاً في مقاربة موضوع ظل في دائرة المسكوت عنه، مسته الرواية العربية قبلاً مساً خفيفاً، وهو موضوع المثلية الجنسية.

لا يكمن امتياز عبد النبي فقط في شجاعة الاقتراب من هذا العالم، لكن في التعاطي معه بفنية عالية نجت بنصه من فخ الابتذال أو التورط في أحكام أخلاقية. بدا موضوعاً روائياً نسج تفاصيله في سردية محكمة على نحو لافت.
قبل هذه الرواية، كتب عبد النبي العديد من النصوص التي رسخت اسمه، فنال عن بعضها العديد من الجوائز. فاز بجائزة «ساويرس» لأدب الشباب عن روايته الأولى «رجوع الشيخ» (٢٠١٣)، كما فاز بجائزة «معرض القاهرة للكتاب» العام الماضي عن مجموعته «كما يذهب السيل بقرية نائمة». وهذا العام، حظي بـ «جائزة الدولة التشجيعية» في الترجمة عن ترجمته لرواية «اشتهاء» للكاتب الليبي هشام مطر. بالإضافة إلى هذه الجوائز، رسخ «نيبو» كما ينادى لنمط الورش الابداعية، ومارس مهنته كمدرب إبداعي لنحو خمس سنوات في ورشة أسماها «الحكاية وما فيها»، وكلها ممارسات تؤكد على شغفه بالكتابة بوصفها متعة، لا مهنة.
وفي سعيه لجمع خيوط العنكبوت في نصه الذي لا يمكن تفادي مجاز الاستعارة في عنوانه، انطلق صاحب «رجوع الشيخ» من واقعة وثقتها الصحافة المصرية قبل سنوات، حين جرى القبض على مجموعة شباب «اتهموا بالمثلية الجنسية وازدراء الاديان» في قضية عرفت باسم «فضيحة الكوين بوت».
ولا يتورط عبد النبي في فخ الكتابة التوثيقية التي تعتمد على الكولاج الذي يجمع بين ما هو توثيقي وما هو متخيل، بل يجعل من تفاصيل هذه القضية تكأة لطرح تساؤلات ذات طابع اجتماعي عن الواقع الذي يفرز هذا النوع من القضايا وسبل التعاطي معها، ويستغلها كقماشة عريضة يغزل حول تفاصيلها اليومية سرديته الموازية للسردية الشائعة لتصبح الواقعة مجرد خلفية مجردة تغيب فاعليتها في النص الذي يعيد الاعتبار لفن «الحكي» من دون البحث عن مغامرات تجريبية. اللعبة التي يعتمدها، تقوم على بناء سردي يسمح بتداخل الأزمنة ومسار حركة الشخوص عبر تتابع ما يرويه السارد/ البطل هاني محفوظ عن حياته منذ القبض عليه بصحبة رفيقه عبد العزيز وهما يسيران متشابكي الأيدي قرب ميدان التحرير بعدما وشى به أحد عملاء مباحث شرطة الآداب. يتابع السارد شد الخيوط كاشفاً عن حياة هاني محفوظ ومسارها الذي وصل به إلى مخفر الشرطة. داخل غرف الحبس، يكشف هاني عن الشخصيات والخبرات التي عايشها، ويظهر هذه الخبرات بالأحلام والكوابيس والرؤى الكاشفة عن أزمته الوجودية وارتباك هويته الذاتية قبل هويته الجنسية منذ أن عاين وحدته كفتى مدلل.
تتداخل سير الشخوص في بنية شبكية لا تبتعد عن شبكة خيط العنكبوت الذي يرصد هاني وجوده في أدراج غرف نومه، وسقف حمام بيت عائلته على نحو يصيبه في طفولته بمخاوف مرضية تظل تلاحقه. يظهر هذا العنكبوت في الرواية في غرفة الراوي، وكذلك في أحلامه المليئة بالكوابيس. لكن داخل تعقّد هذه البنية، يمكن أن نميّز بين شخصيات رئيسية صاغت هذا المصير ومنها الأم التي تحظى بمكانة مركزية وحضور رئيسي. هي سيدة بدأت حياتها كممثلة للأدوار الصغيرة قبل أن تتوقف عن التمثيل عقب تعرفها إلى الأب الذي قدم من قرى الدلتا إلى القاهرة بغرض التمثيل. لكنه تحول إلى بائع متجول للبذور أمام دور العرض السينمائية، قبل أن تلتقطه سيدة اجنبية تمتلك «اتيلييه» لتفصيل ملابس الممثلين. بفضل هذه المصادفة، يتحول الأب إلى «خياط متمكن» يمتلك محلاً في بناية من بنايات وسط البلد، حيث يتعرض هاني لأول محاولة لإبراز ميوله المثلية عبر «رأفت» أحد عمال الورش المجاورة.

يستثمر «فضيحة الكوين بوت» لغزل سرديته حول تفاصيلها

مع موت الأب، تعود الأم للعمل في مهنتها الأولى، وتتمكن من إبراز اسمها في الوسط الفني بالتوازي مع حياة موازية يعيشها هاني في عوالم المثليين السرية. تكون مهمته الوحيدة إنفاق ما تمنحه الأم من أموال، والتخبط في قاع المدينة وعالمها الليلي. هناك، يتعرف إلى «البرنس» رجل أعمال عجوز ذي الميول نفسها. يلعب «البرنس» دوراً أقرب إلى دور «الأب الراعي» أو شيخه الطيب الذي يساعد هاني على إبراز ميوله من دون التورط في صدامات مع محيطه العام. ينصح «البرنس» هاني بالزواج من شيرين مساعدته في المكتب الذي أسّسه بعد تخرّجه مع رفيق يشبهه، لكنه تخلى عنه وغادر الى إيطاليا لعيش حياته بحرية أكبر. يدفعه «البرنس» أيضاً إلى الانخراط في علاقات عميقة مع بائعات هوى لاختبار قدراته على السير في حياة تبدو طبيعية لإزاحة مخاوف أمه الممثلة الشهيرة التي تزوجت سراً من مخرج شهير وقررت وضع الحجاب تماشياً مع موضة شاعت في سنوات الثمانينات.
ورغم نجاح هاني في إنجاب طفلة، الا أنّه يواصل حياته الليلية بحثاً عمن يشاركه الميول نفسها في الفنادق الرخيصة. يسمّي الراوي هؤلاء بـ «الحبايب» حتى يتعرّف إلى عبد العزيز خطيب إحدى قريبات زوجته، وهو رفيقه ليلة القبض عليه في القضية التي تحولت إلى فضيحة اجتماعية دفعت زوجته إلى طلب الطلاق حفاظاً على مستقبل طفلته. أمر يصيبه بحالة خرس مؤقت وعجز عن الكلام يواجهها بالكتابة كوسيلة وحيدة للتعبير عن نفسه استجابة لنصيحة طبيبه النفسي، لكنها تؤدي دوراً جديداً عبر محاولة طمس الهوية القديمة والسعي لاستبدالها، طالما تم النظر للكتابة كأداة للخلق الجديد، تتيح اتساع العالم وإعادة تأسيسه من دون المخاوف التي لاحقته منذ الطفولة مثلها في ذلك مثل حكايات كريم سعدون رفيق محنة السجن الذي خبره عن التجربة باعتبارها «امتحاناً» أكثر من كونها محنة.
الى جانب معمارها الفني الفذ، لعل أكثر ما يلفت في الرواية، هو لغة القص المقتصدة في مجازها. لغة تبدو عادية ويومية لأنّ هدفها الرئيس هو الكشف بإيجاز عن أسئلة أبطالها والحفاظ على ايقاع متدفق، يلائم البناء المحكم الذي وضعه الكاتب ونجح معه في تقديم شخصيات لها تاريخها الشخصي والعام، والوجداني أيضاً المحتفي فقط بـ « أفراح الجسد»، كاشفاً عن هشاشتها وأفقها المراوغ بشيء من التعاطف والحنو من دون أن يغيب ضعفها الانساني وتوترها الدائم في سعيها لبلوغ المعنى والتوازن بين هويتها واشتراطات مجتمعها، ووقف «عواء الاحتياج». لا شك في أنّ هذه الرواية ستحظى بمكانة رفيعة في السرد العربي المعاصر وهي أقرب أيضاً الى صرخة مكتومة في غرفة بملايين الجدران.
انسيرت