تعرف رانيا اسطفان (1960) أنّ ما تصوّره ميت حكماً، وأن الوجوه تتبدد فور دخولها إطار الصورة. «الصورة هي عن الفقدان. هي تذكار بأنّ الموتى لا يعودون» تقرّ الفنانة والمخرجة اللبنانية في النص الذي أرفق بمعرضها «عن أن لا نكون أبداً مجرّد واحد» الذي تحتضنه «غاليري مرفأ» (مرفأ بيروت). بهذه الحقيقة تعلن عن عملها، وبها تقتله مجدداً. رغم حتمية هذه الحقيقة وبؤسها، فإنها لم تستطع أن تغلق عين الفنانة عند الحدود الممكنة للصورة، إذ لا تتخلى عن محاولاتها في التغلب على الزمن عبر تمديد لحظات الماضي واختراع أخرى. هناك ما يدفعها إلى تحدّي السياق المسبق لإمكانيات هذه الوسائط في معرضها التجهيزي الذي يتضمّن مجموعات مختلفة المواد البصرية تمارس فيها نوعاً من التجريب والخلخلة لسياقات الفيديو (الصورة المتحركة) والصورة الفوتوغرافية (الثابتة)، وثنائياتهما الفلسفية التي تسير بين المرئي والمخفي، وبين الظاهر والباطن والغياب والحضور، والماضي والحاضر.

أغرت الصورة اسطفان خلال رحلتها الفنية الطويلة. هوس يمكن رؤيته بجلوسها الطويل أمام الشاشة للتفرّج على 82 فيلماً لسعاد حسني وتفحصها، تحضيراً لإنجاز سيرة فريدة لها بعنوان «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» (2011). حاولت اكتشاف سيرة امرأة استثنائية في موتها وفي حياتها، ووجوهها المتعددة والمتناقضة أحياناً، بالاعتماد على عملية المونتاج. كالسحر، طالعت سيرة خيالية من مشاهد خيالية بحت هي أدوارها السينمائية الخالدة التي تمتد على ثلاثين عاماً، مسائلة في الوقت نفسه الأرشيف السينمائي العربي الذي تفقد صيغته الرقمية الحالية القيمة الأولى لشرائط الفيديو نتيجة التقطيع والتشويه.

اختفاء سعاد حسني هو الذريعة الأولى لإعادة النظر في ثنائيات الصورة

اختفاء سعاد حسني، أيقونة رانيا أسطفان، هو الذريعة الأولى لإعادة النظر في ثنائيات الصورة. تبدو الفنانة اللبنانية كمن لا يزال يرفض تلك الواقعة وهي تحاول ترميم موت سندريلا الشاشة العربية. قفزتها الغامضة مساء ذلك اليوم من شهر تموز (يونيو) 2001، لا تمسك بها سوى اختباراتها المتكررة كمصوّرة وممنتجة. ممارسات ظهرت في المعرض عبر أربعة أنواع من الأعمال، تراوح بين فيلميها الطويلين «اختفاءات سعاد حسني الثلاثة» وبين «ذاكرة لمفتش وحيد» (2015 ــ قيد الإنجاز). خلال إقامتها عام 2010 في لندن حيث عملت لـ 64 يوماً، ستأخذ اسطفان صوراً كل يوم لأماكن وزوايا في المدينة الداكنة في وقت الغسق. وبدلاً من تثبيت الشجر والأرصفة والسماء وواجهات المحال في صورة واحدة، التقطت صورتين للمشهد نفسه بكاميرا الهاتف أو بكاميرا متمرسة. في «غاليري مرفأ»، تصطف هذه الثنائيات المتشابهة بعنوان «64 غسقاً» ضمن كادرات بالحجم الصغير، مستحضرة الكادرات المتتالية للشرائط السينمائية. تقترح اسطفان معابر أخرى لرؤية المكان والزمان. ثمة ما يشبه القفز عن اللحظة الواحدة الحتمية للصورة الفوتوغرافية، ومنحها المكان نفسه لحظات عدة وزمناً متحركاً.
مقابل «64 غسقاً»، عُلّقت صور ثابتة من أفلام رانيا اسطفان في مجموعة «صور غير مرئية». حين كانت تحوّل شرائط الفيديو رقمياً، وجدت مشاهد تحوي صوراً متداخلة في الحيز الفاصل بين إطارين. لقطات هائمة تكاد لا تظهر للناظر في مشاهدته الأولى. هكذا تصبح الأشجار الحائط الذي تستند إليه الفتاة في المقهى، وتمثال الشهداء في وسط بيروت سيبتلعه مبنى مدمر ابتلعته بدورها ورشة إعادة الإعمار، فيما تحوّلت المقبرة إلى مساحة للعب الطفلة بدلاً من العشب. وإذ تتسلل إلى أرشيفها القديم، تنتج اسطفان صوراً جديدة من خلال القبض على الثانية التي تجمع حركتين مختلفتين. تحاكي هذه اللقطات التي تحمل خداعاً بصرياً للوهلة الأولى ضبابية الذكريات. وكما جرى التأطير الأول لمشاهد الشريط آلياً، تقدم اسطفان تأطيراً واعياً لها. وبرفقة هذا الجانب الحلمي لـ «صور غير مرئية»، تستكشف المجموعة تطور وسائط التصوير من HVS إلى الديجيتال، وتبدل الطبيعة المادية والظاهرية للمشاهد الذي يفرضه هذا التحول الذي يقترح بدوره قصصاً جديدة مغايرة لسردية الأفلام الحقيقية.
في Still Moving، تخترع اسطفان آلتها الزمنية المستحيلة. تتصدر صورة كبيرة لسعاد حسني الصالة الثانية في «مرفأ». وما قد يبدو لقطة ثابتة لوجهها ونظرتها المصوّبة نحو ما هو أبعد من الفضاء المادي، ليس سوى صورة متحركة. اقتبست اسطفان اللقطة التي تستمر لحوالى 10 ثوان من أحد أفلام حسني. بعد رقمنتها، مدّدت وقت المشهد بحركة بطيئة لحوالى 11 دقيقة. تتوسع الصورة وتتغير أشكالها وألوانها في حركة بطيئة، تخرج على شكل مربعات ملونة تتنقل على مساحاتها ليعود اللونان الأسود والأبيض. تقدّم هذه المجموعة اقتراحاً لما يمكن للإنسان البائس فعله حيال الماضي، بدلاً من تلقي ثقله بارتباك. تصر اسطفان على مجابهة الموت الذي أعلنته منذ البداية، لا لشيء غير حفظ وجه الغائب. وبينما عملت على الأرشيف عبر المونتاج في الفترة الأخيرة، تصنع في شريطها القصير «64 غسقاً» (7 د) سردياتها البصرية الخاصة مقابل السرديات المتعددة لقفزة سعاد حسني. بعد تسعة أعوام على تلك القفزة، عادت المصورة إلى مسرح الحادثة في أبراج «ستيوارت» في لندن. أما الغموض الذي لا يزال يلف تلك الحادثة التي راوحت فرضياتها بين الانتحار والقتل، قدّمت اسطفان روايتها البصرية الخاصة، علّها تتمكن من التقاط الأثر المادي المتبقي من تلك الليلة. على وقع الموسيقى التصويرية لأفلام ديفيد لينش وصلاح أبو سيف وألفرد هيتشكوك وسمير سيف، وصوت حسني في حواراتها، تطوف اللقطات حول المبنى الشاهق وحديقته والشوارع المحيطة به من دون جدوى. لن تجد العدسة أمامها سوى التحديق في السماء التي بلون الغسق. «بعد تصوير نصف ساعة لأبراج ستيوارت، لم يكشف المكان عن أي من مأساة تلك القصة. حيث وقفت هناك، أدركت الفيلم الذي لم أتمكن من صنعه»، تكتب اسطفان.

«عن أن لا نكون أبداً مجرّد واحد» لرانيا اسطفان: حتى 31 آب (أغسطس) ــ «غاليري مرفأ» (مرفأ بيروت). للاستعلام: 01/571636