القول إنّ الإعلام اللبناني يلهف وراء الإثارة والـ «سكوبات»، ضارباً بعرض الحائط كلّ المعايير المهنية والأخلاقية، صار وراءنا تماماً. الأمثلة كثيرة طبعاً، تبدأ من التباري بين عدد لا يستهان به من البرامج التلفزيونية على تناول مواضيع «اجتماعية» بطريقة أقل ما يُقال عنها إنّها مبتذلة، وتمرّ بالتسابق إلى نشر صور الجثث وأسماء الضحايا عند كلّ مصيبة أمنية جديدة تلم بلبنان، ولا تنتهي بالتغطية الإعلامية الأخيرة لقضية الاغتصاب الجماعي الذي تعرّضت له فتاة قاصر شمال البلاد.

منذ صباح الإثنين، ضجّت المواقع الإلكترونية الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي بالجريمة البشعة، وراحت التفاصيل تُنشر تباعاً من دون أدنى مسؤولية. وبعد مرور وقت قصير، أصبحنا أمام صور المعتدين المفترضين الثلاثة وأسمائهم الكاملة، والمنطقة التي يقيمون فيها، إضافة إلى اسم الفتاة الكامل ومكان إقامتها مع معلومات عن حياتها الشخصية: والدتها متوفاة ووالدها يعمل خارج البلاد وتعيش مع جدّها الذي لم يسلم من الإشاعات. فقد تردّدت أنباء صحافية عن تعرّضه لأزمة قلبية عقب سماعه بالخبر نُقل على إثرها إلى المستشفى، الأمر الذي نفاه العجوز في تقارير إخبارية تلفزيونية لاحقة.

كشفت mtv وotv عن هوية الضحية والمشتبه بهم الذين عرضت صورهم أيضاً

أوّل من أمس، صار الشمال اللبناني وجهة كل المنابر الإعلامية، وخصوصاً الشاشات الصغيرة. توافد المراسلون إلى طرابلس وجوارها، محاولين الحصول على معلومات «ميدانية» وأمنية إضافية لتقديمها إلى الجمهور، منتهكين خصوصية جميع الأطراف. سرعان ما بدأ المشهد يتشوّه، حتى باتت الصورة أكثر وضوحاً لناحية تعاطي وسائل الإعلام المرئية مع القضية مع حلول المساء. في نشرات الأخبار الرئيسية، سلّطت كل المحطات اللبنانية الضوء على الحدث باستثناء nbn التي ارتأت عدم تناوله لأسباب غير مفهومة.
مثلان فاقعان سُجّلا ليلة الاثنين بطلتهما جويس عقيقي على mtv ولارا الهاشم على otv. القاسم المشترك بين المراسلتين هو اعتمادهما الأسلوب نفسه الذي وسم رسالتهما المباشرة في وقت سابق من اليوم. أصرّ الثنائي على ذكر الأسماء الكاملة للفتاة والشبان الثلاثة، وأماكن سكنهم، وأعادتا عرض صور الثلاثي الذين لا يزالون قيد التحقيق ولم يثبت ارتكابهم للجريمة البشعة حتى الساعة. استصرحت الهاشم الطبيب الذي عاين القاصر في البداية قبل أن يبلّغ المخفر بتعرّضها للعنف الجنسي، فسرد الكثير من المعلومات الخاصة بجسد الفتاة. لم تنجح لارا في الدخول إلى منزل أحد الشبّان الذي فارقت والدته الحياة بعد ساعة من سماعها بسبب توقيفه، لكن عقيقي نجحت في هذه المهمّة، وأجرت مقابلة مع شقيقته ضمن تقريرها الذي حمل عنوان «اغتصبوها بالثلاثة... وهذه قصّتها»، سامحةً لها بتوجيه رسالة إلى الضحية، مفادها أنّ ما حصل كان بـ «رضاها»! فضلاً عن مقابلتها عمّة الفتاة التي لامت السياسيين على «تغطية الزعران».
ليست mtv وotv وحدهما من أعادتا إحياء المشهد المؤذي وساهمتا في التسبب بالمزيد من المعاناة للضحية، لكن الفارق أنّ نظيراتهما لم تمعن مثلهما في نشر تفاصيل تدّل بوضوح على هويّتها وهوية المشتبه بهم.
في التقرير الذي أعدّه حسّان الرفاعي، تفرّدت «الجديد» في الحديث إلى الضحية وهي تدير ظهرها إلى الكاميرا، ساردةً كيفية استدراجها إلى الشقة الكائنة في منطقة الكورة (شمال لبنان) وتهديدها وإرغامها على ممارسة الجنس. الطبيب الذي عاين الفتاة للمرّة الأولى والعمّة لم يغيبا عن تقرير «الجديد» الذي تطرّق إلى «روايات متضاربة حول الحادثة» وإلى «اللغز الكامن في مضمون تقرير الطبيب الشرعي». لكن يُسجّل للتقرير أنّه لم يسمِّ الفتاة ولا الموقوفين، كما لم يظهر صور أي منهم.
بدورها، امتنعت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» عن نشر هذه العناصر، غير أنّ ريمي درباس التي تحدّثت في تقريرها أيضاً إلى الطبيب نفسه وعمّة أخرى، عدّدت مجموعة من الروايات المتضاربة لما جرى مع الفتاة وحول الشقّة التي وقعت فيها الجريمة، مشددةً على أنّ لا شيء ثابتاً لدى القوى الأمنية، خاتمةً الريبورتاج بأنّ الثابت هو أن صور الشبّان نُشرت، ووالدة أحدهم توفيت، أما الفتاة فـ «صارت سيرتها على كلّ لسان»! لم تكتف lbci بهذا التقرير، وأعقبته بآخر لرنيم بو خزام يعرّج على الصحة النفسية للفتاة بعد تعرّضها للاغتصاب، والأسباب الرئيسية لتحوّل المرء إلى مغتصب، بالحديث إلى اختصاصيتين في علم النفس وعلم الاجتماع.
من جانبها، تميّزت «المنار» بالتطرّق إلى جريمة الكورة من دون الغوص في مستنقع التفاصيل. رغم حديثها إلى الطبيب والقول إنّ التحقيقات الأوّلية تفيد بأنّ القاصر كانت على علاقة بأحد الشبان الذي أجبرها على ممارسة الجنس مع صديقيه، اكتفى فادي منصور برسم الخطوط العريضة لما حصل، موضحاً أنّ القضية لا تزال تنتظر تكشّف المزيد من الحقائق.