مَن منّا لا يذكر الدكتور غريغوري هاوس؟ ذلك الطبيب المتعجرف، المتعالي، المنعزل، المدمن على المسكنات، ذو الشخصية الملتبسة، الذي كان أيضاً أفضل طبيبٍ مشخّصٍ للأمراض الغريبة والحالات الاستثنائية، وعبقرياً لا يستغني عنه فريقه رغم كل عيوبه الاجتماعية وصراحته اللاذعة؟ الدكتور هاوس كان النجم الأول لثمانية مواسم متتالية (قناة «فوكس») من الدراما الطبية الأشهر في تاريخ التلفزيون Dr. House، وأعقد شخصية درامية قدّمتها هوليوود عبر تجربتها في مجال دراما الطب («غريز أناتومي»، و«طوارئ»، و«شيكاغو هوب» وغيرها) وقد أخذت بيد الكوميدي البريطاني الموهوب هيو لوري (Hugh Laurie) من مستوى لعب أدوار محلية صغيرة إلى نجومية عالمية خارقة، طبعاً مع تغيير لهجته البريطانية الثقيلة إلى أميركية طازجة.

كان المسلسل قد توقف عند موسمه الثامن في عام ٢٠١٢، ولم تنجح المفاوضات حينها بين الأطراف المنتجة في إطلاق موسم تاسع أخير، أُريد منه تقديم نهاية تليق بشخصية معقدة مثل شخصية الدكتور هاوس. كان ذلك بمثابة خيبة أمل شخصية لهيو لوري الذي قَبِل وقتها التنازل عن معظم أجره من أجل إكمال العمل، لكن من دون طائل.
الآن هيو لوري مدعوٌ للعودة إلى ممارسة الطب مرة أخرى في دراما طبية جديدة بعنوان Chance، مأخوذة عن روايةٍ بالاسم نفسه صدرت عام ٢٠١٤. وقد بدأ فعلاً التصوير في المسلسل الذي يتوقع أن يعرض في الربع الأخير من العام الحالي حصرياً - في المرحلة الأولى - على هولو (Hulu) الشركة المنافسة لـ «نيتفليكس» في مجال عرض الأفلام والدراما عبر الإنترنت.
هيو لوري ليس أي ممثل بالطبع وأجره اقترب من المليون دولار على الحلقة الواحدة في المواسم الأخيرة من «الدكتور هاوس». كما أن فريق العمل في «تشانس» هو فريق نجوم من الدرجة الأولى وهذا أمر مكلف. لكن شركة «هولو» سعيدة جداً بشراء حقوق بث المسلسل، معتبرة أنه سيكون لها، كما كان مسلسل «بيت من ورق» لـ «نيتفليكس»، الذي كان وراء إقبال قاعدة واسعة من المشاهدين على شراء اشتراكاتها السنوية.
ربما بعد أربع سنوات من اعتزال الدكتور هاوس ممارسة الطب، ينبغي لنا أن نتساءل عن سر نجاح هذه الشخصية الدرامية الهائل وإعجاب الملايين به عبر العالم (رجاء أن تنسوا ماذا تفعل عيونه الفيروزية بقلوب السيدات!) رغم كل الإزعاج والتوتر والتحدي الذي يتسبب به في كل حلقة من الحلقات الـ ١٧٧من المسلسل سواءً للمرضى أو لفريقه الطبي ولإدارة المستشفى بل للمشاهدين أيضاً. لماذا تراهن شركة طموحة مثل «هولو» بسمعتها وبعشرات ملايين الدولارات على صورة الدكتور هاوس في أذهاننا؟
الحقيقة أنّه إلى جانب الأداء الرائع لهيو لوري، فإن السر ربما يكمن أساساً في قدرة هذه الشخصية على لعب أدوار أبعد بكثير من مجرد إنقاذ حالات مستعصية لم ينجح الأطباء الآخرون في تشخصيها. عند التدقيق، فالدكتور هاوس لا ينطق عن الهوى. هو يبدو كأنه خلاصة نتاج الفلسفة الغربية من أيام سقراط الحكيم مروراً بأرسطو وديوجين وانتهاء بسارتر ونيتشه والفلسفات المعاصرة. يطرح علينا في كل حلقة بعض الأسئلة الفلسفية والوجودية الكبرى: الموت والحياة، الحب والكراهية، الحقيقة والخيال، الوفاء والخيانة، الصداقة والمهنية، الذات والآخر... وهو في كل ما يقول لا يتبرع بإعطائنا أجوبة جاهزة معلبة، بل يستدعينا للتأمل والتفكّر من خلال أسئلة استفزازية ومواقف ملتبسة، لنخرج باستنتاجاتنا الخاصة، بغض النظر عن السياق الدرامي المشوّق. يبدو في ذلك كأنه سقراط الحكيم، يتمشى في شوارع أثينا طارحاً أسئلته الكبرى على الشباب، فيفسد عقولهم ويجعلهم ينقلبون على دين الدولة. تطارده زوجته المتعبة من سلوكه المزعج، وهي تتمثل في المسلسل بشخصية كادي (مديرة المستشفى). رغم شكواها المستمرة منه، إلا أنّها متمسكة به للنهاية، ونحن غالباً مثلها. هو أيضاً كأنه ديوجين، حيث الفضيلة هي أن تتطابق شخصيتنا الحقيقية مع شخصيتنا الاجتماعية رغم ما قد تتسبب فيه الصراحة والمباشرة في التعبير عن الآراء والمشاعر من صدمات فكرية وعاطفية للآخرين.

يوجّه نقداً صريحاً للرأسمالية المعاصرة وأشكال العمل والتعليم الحديثة

المسلسل مشوق عاطفيّاً أيضاً، ينقلنا من أزمة إلى أخرى: في الألم واليأس، في الحب، والصداقة. على مستوى ما، هو يوجّه نقداً صريحاً للرأسمالية المعاصرة وأشكال العمل والتعليم الحديثة، لكن تسليته الكبرى في كل حلقة تكمن في المعضلة المستعصية على الحل التي يقاربها الدكتور هاوس كأنه شرلوك هولمز معاصر (رقم شقّة الدكتور هاوس هو بالصدفة رقم منزل هولمز في «بيكر ستريت» في لندن)، فيطرح الاحتمالات ويستبعد الأشياء ويستكشف الممكن واللاممكن بذكاء حاد يمكّنه وحده دوماً من إيجاد الحل الأمثل، منهياً الحلقة - غالباً - على نحو سعيد للجميع، ربما ما عداه هو شخصياً، إذ يعود بعدها لعزلته المختارة وحيداً يشاهد التلفزيون. مقاربة الدكتور هاوس لبعض المسائل الطبية صارت اليوم تدرس في جامعات غربية، وقد نُقل عن «جامعة ماربورغ» في ألمانيا أن إحدى حلقات المسلسل قدمت حلاً لمعضلة طبية مع أحد المرضى، مما سمح بإنقاذ حياته وحدا بالجامعة إلى تقديم سلسلة محاضرات بعنوان «إعادة قراءة للدكتور هاوس» بهدف التعلم من أسلوبه في العمل.
قد لا نتقبّل صراحة وغرابة شخصية الدكتور هاوس لو كان طبيبنا الحقيقي، لكننا بالتأكيد أحببناه حدّ التعلق في العمل الدرامي، ولا بدّ من أن هيو لوري قد راكم رصيداً كبيراً من هذا التعلق راهنت عليه شركة «هولو» والمنتجون.
هكذا، فإنّ هيو لوري سيعود لممارسة الطب، لكن ليس بدور الدكتور المتفلسف هاوس. في المسلسل الجديد، سيؤدي دور الدكتور «إلدون تشانس» وفق الرواية التي كتبها كيم نون: شخصية درامية تبدو أكثر تعقيداً من شخصية الدكتور هاوس بمراحل. هو طبيب - أميركي بالطبع - يعمل من سان فرانسيسكو في مجال الطب الشرعي النفسي والعصبي. وبسبب قرار (لا نعرف إن كان خاطئاً) بشأن علاقة بمريضةٍ فاتنةٍ - لا نعرف على وجه الحقيقة إن كانت فعلاً مصابة بمتلازمة اضطراب الشخصية، ينتهي إلى مواجهة متقاطعة مع زوج تلك المريضة العنيف ومن ورائه الشرطة، وكذلك الطلاق المؤلم من زوجته والمصاعب التي يواجهها مع ابنته المراهقة. يغرق الدكتور تشانس رويداً رويداً أمام أعيننا، نحو قاع المدينة الصاخبة حيث فساد الشرطة والعنف المجاني والهويات الملتبسة، لندخل معه في المواجهة الأخطر على حدود الخوف والألم والخسارة مع المساحات المظلمة عميقاً داخل العقل الإنساني العجيب.
«لقد كان تحدياً كبيراً أن نُخرج عمق الرواية وتعقُّد الشخصية في سيناريو المسلسل، لكن فريق العمل تجاوز كل التوقعات وقدم سيناريو استثنائياً» يقول بيرت سالكه رئيس استوديوهات «فوكس ٢١» المنتجة للمسلسل. ويبدو أنّ هيو لوري كان الخيار - ربما الأوحد - للعب شخصية «الدكتور تشانس» في ذهن المنتجين، وهو كان بدوره كأنه ينتظر هذا الأمر، إذ وقّع عقداً لـ١٨ شهراً لموسمين في اللقاء الأول مع المنتجين، رغم أنه كان قد رفض عروضاً عدة للعب شخصيات أخرى منذ انتهاء «دكتور هاوس»، قدم دوراً محدوداً في دراما تشويق عرضت منذ وقت قريب على «بي. بي. سي» (المدير الليلي Night Manager).
في الصيف المقبل إذن لا تقل دكتور هاوس، بل قل دكتور تشانس. هكذا تنصحكم «هولو». بالطبع بعد أن تدفعوا اشتراكاتكم السنوية. «الجميع يكذبون يا عزيزي»، هكذا علمنا الدكتور هاوس منذ الحلقة الأولى.