لا شيء في «سمرقند» (تأليف محمد البطوش، وإخراج إياد الخزوز، عرض في رمضان على قنوات «أبوظبي» و «أم. بي. سي1») إلا الدفاع عن السلطة السياسية. لا أولوية أخرى. أطاحت الدراما بكل التوفيقات الفنية بين الأضداد والمتناقضات. تغص المنطقة بالعسكر، احتشدت بالعسكر. انتهت الجهود، هنا، إلى إخفاق تام. لا شيء سوى مشقات العيش. لا دراما ولا من يحزنون. أنماط حياة تراوح بين الصراع بين الجواري وصور الملك والوزراء. يضعون حبات العنب في أفواههم، بدل أن يضعوا الحقيقة موضع التساؤل. لا شيء من ذلك رغم البذخ المادي الواضح. ديكورات ضخمة جوالة على المشاهد. ممثلون باب أول، بحسب التصنيفات التلفزيونية، في متاهة لا قرار لها، ما دام الصراع على الأرض صراعاً على السماء. صراع على الله، على من يمتلك الله، كي يسيطر من خلال السيطرة هذه على كل العناصر الأخرى. انقطاع تام عن الثقافة الإسلامية. ثقافة التسامح. لن يؤدي تبديل الثقافة إلا تسعير الحياة القبلية في القصور والشوارع والطرقات والساحات، نتيجة صعوبة التواصل بين هذه المجتمعات «الصحراوية». ميزة المجتمعات المأزومة. يعبر «سمرقند» عن كل ما هو مأزوم في المنطقة، حين يسقط روايات الأزمنة الغابرة على الأزمنة الراهنة. صراع بين السنة والشيعة، بين ملك شاه ونظام الملك وحسن الصباح والإسماعيليين. لا ألعاب سوى ألعاب تخليص «الآخر» من كل صلة بالمقدس. الصراع في المنطقة، صراع إخضاع للشريعة، لا خضوع للشريعة، لا مطاف إلا مطاف تغيير كيان الكائن. الصراع على المنطقة صراع لاهوتي. الصراع في «وادي الدموع» لاهوتي. يرتفع الوادي هذا، على الحقيقة الإلهية. ذلك أن الصِّلة بالله، جزء من الصراع. كلٌ يدعي نحوه النحو الصحيح على إرادة العيش بالصلة بالله. مواقف المخافة تؤدي إلى الافتتان. مواقف الافتتان تؤدي إلى المخافة. الصراع على ما يعتبر أصلاً يتصف بالصفاء. هكذا تخوض الأطراف المتصارعة برمالها المتحركة، بكل الأدوات. الدراما واحدة. انزلق «سمرقند» في هذه المتاهة. لم يقدم مشروعاً، حين لم يقترب من مفهوم الانتفاضة النقدية. قدم دراما تركية، حريمية، ليست ذات قيمة. حروب مجتمعات بدائية في «سمرقند». لا بأس من استهلاك النصوص. لا بأس من استهلاك الكوادر الإبداعية، المال، قنوات الإنتاج، المنزلة، كل المنازل، لإعلاء مواقف الأطراف على الضفاف والأطراف. لا نتائج سوى العدم. قراءة التاريخ، لا تقوم على الاعتقاد. تقوم على الثقافة، بعيداً من البروباغندا. لا ثقافة في «سمرقند». بغياب الثقافة، يخوض كادر «سمرقند» الحرب على «الآخر». لا شيء بغياب الثقافة إلا الجمود. بغياب الثقافة: موميائية.

لا تدل الدراما على الانفتاح، حين تغيب أصول الضيافة. جلب ُحسن الصباح، إلى قلب المعارضة والصراع، بطريقة ولادية. لن يخدم، هذا الأمر، أي طرف في هذه الحرب.
حسن الصباح في «سمرقند» بين الكاريكاتور والسديم. غاية. إلا أن الغاية، هنا، ذهبت بالوسيلة. حسن الصباح، إذاً، بلا أخلاق. نموذج ثقافي بائس، لا يسعه إلا أن يطعن بالسيوف والخناجر كل من يقع بطريقه، حتى المشاهدين في منازلهم. لا يقع إلا بالمسبقات وهو يردد أنه خادم الإمام. حسن الصباح ببغاء. لا دينامية مغامرة، تشمل اليقين والأمل. مشكلة العالم العربي الأساسية اليوم، أنها تفتقد تقنيات الضبط. تعرف الثقافة في العالم العربي من خلال إشعار الآخر بالفرق بينه وبين الراوي. بينه وبين الرواية ما دام أن الآخر يروي روايته. سوف يوفر الأمر الطمأنينة لكل راوٍ. تناقض في الجوهر لا المظهر. حسن الصباح، لا مفكر ولا كاتب ولا صاحب طريقة، بحدوث الأحداث، عن طريق الاستعفاء أو التنصل من الحوارات السلمية. عدو جاهز. قطعة بلاستيكية. لا يأخذ «سمرقند» موقف الصبر من الصباح وجماعته من الإسماعيليين. نط أياد الخزوز فوق كل الحقائق، كي يصور حسن الصباح، بدم طازج، متسرباً من أجساد قتلاه. دموي، بلا صفات أخرى. دموي ونقطة على سطر الكلام عند الكاتب محمد البطوش. مقاتل نينجا. لا ساموراي. يتباهى، دوماً، بامتياز القدرة على تغيير العالم. صورة مشيئة. لا صورة واقع. لا عودة إلى المراجع والمصادر الرفيقة والعدوة كالجويني المؤرخ الرئيس للنزاريين. لم يشر، مع غيره إلى جماعة الصباح بالحشاشين. تقوم «سمرقند» على قناعة أنهم حشاشون (متعاطون)، لا يرفعون الأسلحة على الصراخ، إلا بعد تبهجهم بهجات التعاطي. وهم على وهم. «أساسان» (في الأصل) أو «القتلة الانتقائيون للأعداء». سكان القلعة الشهيرة على جبال البورج، لا يُفسَّر حضورهم إلا بالتغيرات المفاجئة. خنافس تتكاثر بالانقسام. أخذت البروباغندا فريق «سمرقند» إلى القفز فوق المسلمات التاريخية. ما سلم به العرب والأوروبيون، من أن «الحشاشين» فدائيون مدربون على فنون التنكر والفروسية واللسانيات والاستراتيجيات والاغتيالات العلنية، وسط حقول من الناس والأعداء. أصحاب أبعاد قيمية (عندهم على الأقل). الأعداء: صلاح الدين الأيوبي والسلاجقة والمغول بدون ترتيب. أفضت «الخطة الإلهية المتعالية» في «سمرقند» إلى الخضوع إلى كل ما يمت بصلة إلى الاستشراق. «سمرقند» ذو روح استشراقية، لا شرقية. أفقد البون بين الاثنين، الدراما كل ترتيب منطقي وكل جوهر وكل قيمة. نظرة استشراقية، تنزل الفعل على الشكل. «سمرقند» شكلاني، بدون اتصال مباشر بالميزات العربية والإسلامية والشرقية. تطبيق لا ديمقراطي، ينبذ التاريخ ويقف مع الدين ضد الثقافة. غياب غير مشروط لكل شأن للآخر. لم يبقَ من هجمات «الحشاشين»، إلا بيانات قتلاهم. لم يبق من «الحشاشين» إلا الهلوسة وطرطقة الرؤوس والأجساد في قلعة «إلموت». سقطت القلعة في أيدي المغول. إذاك، عبَّر هولاكو عن إعجابه بمعجزة البناء العسكري للقلعة. وحين أحرق مكتبتها، صرَّ العينين على كل الحقائق. لا حقائق بغياب المدونات. لا حقائق بغياب الورق.

مسلسل ذو روح استشراقية صوّر حسن الصباح نينجا لا ساموراي!

35 سنة في القلعة. خمس وثلاثون سنة في غرفة واحدة، بتسجيل خرقين اثنين من حسن الصباح. ظهوره على سطح منزله. أزالت الدراما كل حسنات الرؤية، بظن أن مسح كل ما يحسب على الآخر، لا للآخر سوف يقود الآخر هذا بطرقات، لن يسعه فيها إلا أن يدوس على كل شيء، حتى على المزروعات الصغيرة. الإسماعيليون وحوش كاسرة. تُرك الصباح في الشوارع وراء أسيرة هاربة. عدوه رجل شرطة يكاد يزنره. كلما حضر يحضر. رباط يضع الاثنين في كفة واحدة. تحقيرٌ لمن توقف ابن الأثير طويلاً أمام شخصه وشخصيته ونظراته السلوكية. لإتمام الغاية، لن يعتمد «سمرقند» إلا ما نسب إلى العم ماركو بولو، الرحالة الإيطالي. إذ اعتمد روايته بما خَص علاقة «حشاشي» حسن الصباح بالجنة. روى أن في القلعة حديقة كبرى حاشدة بأشجار الفاكهة. في القلعة قصور وجداول تفيض بالخمر والعسل واللبن والماء وبالحوريات الجميلات يعزفن ويرقصن وينتظرن من ينتظرن. صورة ُالجنة على ما هي عليه في النصوص الخضراء عند المؤمنين. وعد الصباح ناسه بالجنة. استعمل الجنة هذه، في تتبيل وعوده بالجنة. سوف يجد الحشاشون جنتهم، في الجنة هذه، حين يفتح لهم الصباح أبواب الجنة على مصاريعها، على وعد أو جهد، على ما جاء في العديد من الروايات. وجدت القلعة على قمة. وجد الرجل في القلعة. قلعة شتوية تحيط بها الثلوج على مدى سبعة أشهر وأكثر. أربعة أشهر، إذاً، لما يعتبر لا حياة واقعية، تزدهر بها أشجار الفاكهة وأجساد الحور العين. علماً أن القلعة أحرقت في عام ١٢٥٦، في حين ولد ماركو بولو عام ١٢٥٤. ابن السنتين، يصف القلعة وصفاً دقيقاً، يسافر بالتواتر إلى حراس الرغبة! جنة! يرسم بنيتها الأساسية بالغايات. تتوقف الدراما أمام الطلياني. لا تتوقف أمام ابن أثير، حتى ترسم الصباح كبطل رسوم متحركة. ترسم جماعته كمبرطمين، لا يؤدون صلاة ولا يعرفون عبادة، إلا لكي يشربوا الموت من عروق الآخرين. الصبّاح بهلول «سمرقند» في حين يصفه ابن الأثير كمفكر وكاتب. كتب في اللاهوت. يروي ابن الأثير أن الصباح حاد الذهن، عليم في الهندسة والحساب وعلم الفلك والسحر. لا هندسة بصرية، لا هندسة مشهدية أمام تهافت النص. نص يضع التاريخ وأبطال الدراما الأردنية، بحسب mbc، بين أحجار الممشى، الصلدة الباردة، الآكلة المساحات ومبطئة الآداء. لا جلاء حضور لأحد بالأخص عابد فهد بدور حسن الصباح. نوبات سرحان عمر الخيام، ضبطها يوسف الخال، خلف النص، البائس، المحروم، حتى من أشباح النزعات الإنسانية. كل شيء مهدور في «سمرقند». الكرامات، الفلسفات، المعاناة، الابتسامات. حديقة مهملة، احتلتها الجواري وملكتان متنازعتان على تفتح السلطة بفم كل منهما، وشخصيات أخرى مشغولة بنفسها عن الدنيا وما فيها.
«سمرقند» مصدر إحباط، مما هو مرصود له، على الصعيد المادي. كل الكعوب العالية، تكسرت في الدراما المسطحة. لا دراماتورجيا ولا استثمار طاقات. رسالة لا تصل قط بعدما أمحت حروفها عمليات الإسقاط على الأوضاع العربية. ذلك أن الحكاية، هنا، لا بعد ياردة ولا على بعد ياردتين، من الصراع في المنطقة. الصراع بين معسكرين، منتشرين على التحيات البائسة لبعضهما، في العراق وإيران. لا شيء بينهما سوى الأسواق، حيث يسوح حسن الصبّاح، كغراب غاضب، من كل شيء يلمع. يسوح عمر الخيام، بدوره، بأحلام بناء المرصد أو بين جارية وغلام وجاط فاكهة. إنه عند حدود طاقاته الأول، بعيداً من التفعيل. تُرك الصباح في الشارع... البارع في علم الهندسة و«النجوم» بحسب القلقشندي، المحترز، المحتاط، من لم ينم إلا في برج خشبي (في الكثير من الروايات) خوفاً من الاغتيال. اغتال الحشاشون نظام الملك. لم يتم التركيز على ضربتهم الكبرى، حين اغتالوا المركيز الصليبي كونراد مونفيراتو، ملك بيت المقدس. في النتائج، هادنهم صلاح الدين الأيوبي. دراما أسطورية، لو تذاكى أصحابها، بحيث بدأوها بسقوط القلعة المهيبة، ثم بتداعي حضور الإسماعيليين مذاك ومحاولات استلحاق نهايتهم، بكسب ثقة المماليك والظاهر بيبرس بإرسال السفارات والهدايا. استولى الأخير على قلعتي العليقة والرصافة، ثم قلعة الخوابي، لتسقط بعدها القلاع الأخيرة وينتهي وجود الإسماعيليين في بلاد الشام. غير أنها حالة الاحتضار الطويلة في بلادنا. بغمرة واحدة، أطاح «سمرقند» بالتاريخ. تسويق وجهات النظر لا يؤدي إلا إلى الإطاحة بالدراما وتسعير المواقف على قوس الصراع السعودي/ الإيراني. نوبات، يرجو الخلص، أن لا تتكرر، لصالح الجميع. طاقة العناد المهولة، لن تؤدي إلا إلى تعمير «دراما فقاعات الصابون». دراما هلامية. دراما قنديل بحر. وحدها قناديل البحر لا تضيء.