الرائد الأول


جلال خوري

في مسيرة المسرح اللبناني المعاصر الذي انطلق أثناء العصر الذهبي للبنان، كان منير أبو دبس الرائد الأول. بعد دراسات فنية في أكثر من حقل، في بيروت وباريس وعمل في تلفزيون العاصمة الفرنسية، عاد إلى لبنان وانطلق بالمسرح سنة 1961 مع فريق من الناشطين، رعته لجنة «مهرجانات بعلبك الدولية».
البداية كانت... في المغرب، على أطلال مدينة فولوبيليس الرومانية حيث قدّم «ملوك طيبة». عمل مختصر من التراجيديا الإغريقية أشرف على ترجمته الرائد الآخر الذي لعب الدور الأول في هذا العمل: أنطوان ملتقى. منير أبو دبس هو من أدخل على المسرح اللبناني النظرة والمفاهيم الجمالية، فكانت الجمالية طوال مسيرته هاجسه الأول في إطار أعمال كلاسيكية وبلغة كلاسيكية أيضاً، قبل أن يتحوّل إلى اتجاه جديد خاص به في أواخر الستينيات، طابعه درامي ساطع. وبين الاثنين، قدّم أفضل عمل في نظره «الملك يموت» ليوجين يونيسكو في ترجمة للشاعر الراحل أنسي الحاج. تعددت أعماله من سوفوكل إلى شكسبير، إلى غوته، إلى بريشت، إلى يونيسكو، إلى دورنمات، إلى أرابال، إلى سينج، إلى سارتر وكامو، ولكن أتت كلها بصبغة واحدة خاصة به.
منير أبو دبس حالة لم تكن لتستهوي كثيرين، لكنها كانت حالة خاصة ومميزة.

■ ■ ■


ذلك الشغوف بالخشبة

نضال الأشقر

لا شك في أن منير أبو دبس هو أبو المسرح الحديث في لبنان، ووجود «مهرجانات بعلبك» إلى جانبه كل تلك السنوات لمساندته مادياً ومعنوياً كان نعمة لاستمرارية عمله. ولقد كان مفيداً جداً أن يكون لـ«مهرجانات بعلبك» مسرح صغير، قدم فيه منير أبو دبس كل أعماله، إلى جانب تقديم أعماله الشهيرة في مدينة بعلبك. ولا شك في أن هذه الاستمرارية أعطته المجال المناسب لتجاربه المسرحية ولمدرسته التي أسسها في قريته الجميلة الفريكة في المتن الشمالي.
لم يكلّ ولم يملّ منير أبو دبس. وأنا أكتب عنه الآن، لا أصدق أنه لن يكون بيننا في السنوات اللاحقة. لكنني كنت سعيدة أنني عرفته صبية عندما عدت من لندن في منتصف الستينيات، وعملت معه وكرّمته أخيراً في «مسرح المدينة». كان ذلك فرصة لشكره على إنجازاته وعمله الدؤوب في المسرح اللبناني.
ومنير أبو دبس من المخرجين المحترفين الشغوفين بالمسرح، فإذا أحببنا عمله المسرحي أو لم نكن من المحبذين له، فإنه سيبقى مخرجاً مسرحياً فريداً على الساحة الفنية التي لم تنفك تخسر الكبار من صانعيها؛ أمثال يعقوب الشدراوي وريمون جبارة وميشال نبعة ورضا خوري وأسامة العارف.
إلى جميع العاملين في المسرح، وإلى جميع طلاب منير منذ 50 عاماً حتى الآن، أقدّم تعازيّ القلبيّة.

■ ■ ■


باني الممثّل

رفعت طربيه

إنّه الرعيل الأول ومؤسس المسرح اللبناني. لا شك في أنّها خسارة كبيرة، والمشكلة أنّه لا أحد يحل مكانه. منير أبو دبس كان واحداً من الكبار في عالمنا العربي، وهو الذي بنى الممثل في لبنان. هو أستاذنا جميعاً، نقل إلينا فيروس المسرح. نأمل أن نستطيع أن نكمل بعده، فالوضع المسرحي صعب ولا أحد مثله. حتى آخر أيام حياته، ظلّت عنده رؤيا إلى المسرح، يمكن أن توافقه عليها أو ترفضها، لكنه حارب من أجلها حتى النهاية. كان يرى أن لا شيء يحلّ محل المسرح، وهو الذي يختصر كل الفنون، ويجب التعامل معه بخطر وتأنٍ. إنّها خسارة كبيرة لمسرحنا اللبناني.

■ ■ ■


أعطانا أسرار هذا الفنّ

ميراي معلوف

منير أبو دبس هو الأستاذ الذي علّمنا الدبدبة، وأعطانا أسرار الفن، والأهم الانفتاح على العالم الثقافي. نحن حالياً نتمرن مع زميلي رفعت طربيه على مسرحية «شكسبير». برأيك، من عرّفنا إلى شكسبير ويونيسكو وبريشت وفتح لنا الدنيا كلها؟ لقد أولانا منير أبو دبس كل الانتباه، وأحاط بالاهتمام كل تلميذ من تلاميذه، وتعاطى معنا بكل حنانه وبعمقه، وكنا نستفيد منه في كل جلسة معه. لقد حضّرنا كي نقدر على الوقوف في عالم الفن. نقطة قوته لم تكن في صفوف أعطانا إياها فقط، بل في تحضيرنا لمواجهة عالم الفن. أنا أشكره ومَدينة له حتى آخر يوم في حياتي. من دون حصصه ودروسه، لما كنت مستعدة وجاهزة لدخول مدرسة أخرى كبيرة هي مدرسة المعلّم البريطاني بيتر بروك.