حين اتصلنا برفعت طربية لنعزّيه ونطلب شهادة منه عن المعلّم الذي انطلق من مدرسته الشهيرة ليشق طريقه في عالم التمثيل، أصيب الفنّان البارز بالذهول، ومثله زميلته ميراي معلوف. والممثلان الـ «أبو دبسيان» بامتياز، يواصلان حالياً جولتهما المسرحيّة مع جلال خوري في السهرة الشكسبيريّة التي سحرتنا في «البستان». لم يكن النبأ الحزين قد بلغهما بعد: لقد انطفأ منير أبو دبس بالأمس في باريس حيث كان يتعالج، عن عمر يناهز الـ 88 عاماً. منذ الخمسينيات، حين قصدها صغيراً لدراسة الرسم، لم تنقطع تلك العلاقة مع باريس التي تكوّن فيها، وتجذّر فنياً، وعرف التكريس. صار معلّقاً بين باريس وبيروت، منذ عودته الأولى مطلع الأولى أوّل الستينيات ليطلق العصر الذهبي للمسرح اللبناني (مع أنطوان ملتقى وآخرين). ستكون هناك عودة ثانية، مختلفة، بعد الحرب في الـ 1981. من عباءة منير أبو دبس خرج المسرح اللبناني. في البداية من خلال «مسرح التلفزيون»، ثم «معهد التمثيل الحديث» الذي رعته «مهرجانات بعلبك»… قبل أن يستقرّ في «مدرسة بيروت للمسرح الحديث» في القنطاري، حيث قدّم أعمالاً مرجعيّة مثل «الطوفان» (1971، نصوص طقوسية مختارة من نشيد الأناشيد والمزامير وعظة الجبل، مع ميراي معلوف ورضا خوري وجوزف بو نصار…)، وحيث عبرت أهم أسماء المسرح اللبناني: رفعت وميراي ورينيه ديك وجوزف بو نصار…. وقبلهما أنطوان كرباج وميشال نبعة ورضا خوري وتيودورا راسي. جلال خوري الذي غادر سريعاً ليقدّم مسرحه البريختي على الطرف النقيض من طقوسيّة أبو دبس. وريمون جبارة الذي انشقّ بدوره ليؤسس مسرحه العبثي الهاذي، المتأرجح بين سرياليّة وميتافيزيقيّة وواقعيّة. وطبعاً كان هناك الثنائي الأسطوري أنطوان ولطيفة ملتقى الذي سرعان ما أعلن القطيعة أيضاً، وشق طريقه الخاصة في «المسرح الاختباري»، بعد خلافات نظريّة ومنافسات مع البطرك الاول. رواية منير التي كان يرددها للصحافة، أنّه أعطى دور «ماكبث» لممثل شاب اسمه… أنطوان كرباج، وبوجهه «الليدي» رضا خوري، فغضب أنطوان ولطيفة وصفقا خلفهما الباب. و«عسى أن تكرهوا شيئاً…»، فقد وضعا لبنات أساسيّة في صرحنا المسرحي، لتبقى الأبوّة، أبوّة المسرح اللبناني الحديث، معلّقة بين آل ملتقى وأبو دبس.

عاش منير في الحقيقة بين باريس والفريكه، حيث مصنع حرير طفولته، أو «الكرخانة» العتيدة التي صارت صومعته ومختبره ومدرسته ومسرحه. منير أبو دبس الأسطورة. بقي بعيداً عن الناس والواقع الموحل وصخب بيروت ومثقفيها. بلحيته البيضاء، وشعره المبعثر، وهدوئه الذي يوحي لك أنّك أمام ساحر أو مشعوذ، وبلهجته الباريسيّة ـــ الضيعجيّة، وطريقته الرسوليّة في الكلام، يبدو منهج ناسك الفريكة حقّاً امتداداً لمعلّمين كبار أثروا فيه وطبعوا مساره: ستانيسلافسكي وأسلوب الواقعية النفسيّة والشعوريّة… غوردون كريغ وأدولف آبيا برؤياهما السينوغرافية في صياغة الفضاء وحصر الأضواء والظلال، الحركة والجمود… وأخيراً صاحب نظريّة «المسرح الفقير»، غروتوفسكي الذي عرّى الاحتفال المشهدي الطقوسي، واختصره إلى الثالوث التأسيسي: الممثل - المشاهد - النص. أضاف أبو دبس إلى «رفاقه الكبار» كما كان يسمّيهم، سحر الشرق، وولعه بالطقوسيّة، هو الذي كان «يحب السريانيّة لأنّها تجعله يبكي». كانت له تقنياته الصارمة في اعداد الممثل وتكوينه، من الداخل الى الخارج، ومن الرؤيا إلى الحركة. من «أوديب ملكاً» إلى «وجه عشتار»، ومن «ماكبث» إلى «جبران»، من «ذباب» سارتر إلى «فاوست» غوته، من «ملوك طيبة» بحسب سوفوكليس إلى «الملك يموت» رائعة إيونسكو، سافر من المسرح الاغريقي والاليزابيتي إلى الادب الحديث، ليصوغ احتفاله الاستثنائي. لعب ممثلوه / كهنته في المعابد والمعالم الأثريّة أوّلاً، ثم في تلك الغرفة المغلقة الشهيرة، المتقشفة، حيث الستائر السود والهمدرة والشموع، وكانت تتسع لأربعين مشاهداً. في أحد اسكتشاته الاذاعيّة، يسخر زياد الرحباني من هذا العالم التجريبي، النخبوي، فيسميه «مسرح الأم 44».
تلك الاحتفاليات الطقوسيّة لا تعجب الجميع اليوم، بل تثير نقد الكثيرين. خلال إحدى جلسات النقاش في «دوّار الشمس»، ربيع 2011، ضمن اطار التظاهرة المهمّة التي نظمها روجيه عسّاف ورفاقه الشباب في مناسبة «اليوبيل الذهبي» للمسرح اللبناني، سألنا أبو دبس لماذا يوحي أحياناً عبر خطابه وهالته وأدائه، بشخصيّة «المسيح الدجّال». تبسّم وتحدّث عن نظرته للمسرح والانسان. «أريد من المسرح أن يرمي نفسه في العتمة لا في الضوء. أريده أن يدخل الغرابة ويستكشف مجاهل الأعماق». بقي بطرك المسرح الحديث في لبنان، مشدوداً طوال حياته لطقوس طفولته البعيدة. مات وهو يبحث عن السرّ، عن المعنى. اعتنق مسرح «الأسرار»، حمل سؤاله الميتافيزيقي معه في كل مراحله الابداعيّة. وها هو يورثنا إيّاه، في ثنايا الصور والأصوات والحالات التي تسكن ذاكرتنا. إننا ندين بالكثير إلى هذا المحترف الذي صنع ذاكرتنا المسرحيّة، إلى عتمة المختبر المتلفّع بالغرابة الذي أنجب حفنة من كبار المسرح اللبناني.