■ بداية دعنا نتعرّف إلى مسيرتك الإبداعية منك، ولماذا اخترت النشر خارج القاهرة؟

انتهيت من أول نص متماسك سنة ١٩٩٣، وأنا في السابعة عشر، أي سنة مغادرتي القاهرة للدراسة الجامعية. ونشرت أول كتبي وفيها قصة «أزهار الشمس» سنة ١٩٩٩ في القاهرة. في ٢٠٠٥، عدت للكتابة الأدبية بعد انقطاع طويل، وكنت أبحث عن ناشر محترم وحرفي، لهذا اتجهت إلى بيروت. لكن «كتاب الطغرى» - أهم كتبي - أيضاً منشور في القاهرة (دار الشروق).
أتصور أن عندي موضوعين أو قضيتين أتعامل معهما في كتابتي: موضوع اللغة، أو كيف تتداخل السجلات المكتوبة والمحكية للغة العربية لتُنتج نصاً حياً وتصبح أداة خلق فعالة وجواز مرور ساري المفعول إلى اللحظة المعاصرة. وهناك موضوع الجغرافيا، أو ماذا يعني أننا هنا، في هذه المدينة أو هذا البلد أو هذه البقعة من العالم وفي تلك اللحظة أيضاً، بهذه الشروط… خلاف هاتين القضيتين، أتصور أنّ الموضوع كله يكمن في البحث عن الحقيقة بلا انحيازات ولا سذاجات أو ادعاءات مستفزة، واكتشاف جماليات تتجاوز المفاهيم المملة عن اللغة والكتابة.

متى بالضبط أصبح الموقف الثوري التقدمي رأسمالياً وثيوقراطياً ومحكوماً بأموال وهابية؟

■ رصدت في كتابك «بيروت شي محل» (كتاب أمكنة ـــ 2005) التحولات التي طالت لبنان في نهاية الحرب الأهلية، بكثير من التفاصيل التي نقلت للمتلقي صورة ذهنية عن لبنان. من أين يبدأ الخيال وأين ينتهي الواقع في تلك الكتابات؟
في نصوص المدن العربية - وهي صحافة أدبية إن أردت - لم يكن هناك خيال إلا على مستوى الصياغة والتركيب. لم يكن هناك تخييل أو اختلاق وإن ظهر في النص شِعر أو تضمنت التداعيات لعباً بالذاكرة والتاريخ. كان استحضار لهجات الأماكن المكتوب عنها من أهم جوانب العملية الإبداعية. ورغم أنني لم أكن واعياً لذلك، إلا أنّني أتصور أنني كنت أتدرب على كتابة «الطغرى». كانت بيروت وتونس أماكن أنظر منها إلى القاهرة، وكانت كتابتها تدريباً على كتابة القاهرة على نطاق أوسع يتضمن تخييلاً واختلاقاً. كانت تدريباً على غزل الخطابات المتباينة في نسيج واحد والنفاذ عبر لغة عالم ما إلى عمق ذلك العالم، ثم التقاط الملامح الأبرز لشخصية إنسان أو مكان أو علاقة بهدف تعريفها والتعامل معها… وكانت تدريباً على خلق إيقاع سردي وإن لم يكن هناك «حدوتة».

■ في «كتاب الطغرى»، رصدت عوامل التعرية التي تعرضت لها الشخصية المصرية، بخاصة من هجمة السلفية الوهابية، هل تغيرت تلك الصورة باندلاع «ثورة ٢٥ يناير»؟
لا أظن أنها تغيرت بقدر ما اتضحت على أكثر من وجه، ظهرت حدود الصورة وخريطة الاحتمالات. أصدقاء خسرناهم، وتطلعات أسقطناها. أصبحت هناك أسماء جديدة لليأس.

■ في روايتك الأخيرة «باولو» (2016 ــ دار التنوير)، تواصل ما بدأته في رواية «التماسيح»، حتى أنّك استدعيت أحد أبطالها الذي حمل العنوان اسمه. هل يمكننا القول بأنك تؤرخ لجيل كتاب التسعينات؟
نعم «باولو» هي القسم الثاني من ثلاثية أو ثنائية «التماسيح». ما زلت لا أعرف إن كنت سأكتب قسماً ثالثاً. لكنهما تؤرخان للربيع العربي أو - حتى أكون أدق - تؤرخان لتعامل النخب الثقافية والسياسية مع أحداث الربيع العربي... ليس لجيل التسعينات. في القسم الأول «التماسيح» (دار الساقي ــ ٢٠١٢)، هناك بالفعل استحضار لأجواء وسياقات جيل التسعينات. هناك أيضاً استدراج للقارئ المتلصص، إذ يتعمّد النص خلط التوثيقي بالمتخيل والإيهام بالوجود الواقعي لأشياء خيالية أو أناس مختلقين. بالطبع، فـ «التماسيح» في جانب منها، تتكلم عن ظهور قصيدة النثر التسعينية والمناخ المحيط بذلك الظهور، لكن لا أظن أنّ هذا هو الموضوع.

■ هل يواجه جيل التسعينات الأزمات التي طالت كتاب السبعينات؟ وكيف تعاطي كلا الجيلين مع تلك الأزمات؟
أعتقد أن النخب العربية وإن اختلفت قناعاتها وتصوراتها عن نفسها، ظلت تعاني من الأزمات المستعصية ذاتها عبر الأجيال. عانت من تناقض الولاءات، والتعلق بالسلطة والعزلة الاجتماعية، ومن الالتباس الأخلاقي المترتب على ذلك. لكنها عانت من شيء أخطر ربما هو الوقوع فريسة تصوراتها الجمالية والمثالية عن واقع صُمّم على افتراض أن لها موقعاً مركزياً فيه أو دوراً في تكوينه، بينما هي في الحقيقة غير قادرة حتى على رؤيته. وهذا هو ما تعالجه الروايتان في سياقين مختلفين، وإن ارتبط كلاهما بمفهوم «الثورة».

■ أين يقف يوسف رخا بين كتاب جيله؟ وهل عانى من شللية الوسط الثقافي التي أغمطته حقه؟
أعتقد أني كنت على صلة طيبة بأكثر من شلة من دون أن أكون عضواً في إحداها حتى ٢٠١١، ولا أعرف ماذا حدث بعد الثورة. لكن الشِلل بدأت تتشكل من جديد على أسس إن لم تكن سياسية، فهي موهومة بالسياسة أو بصواب تشنجاتها السياسية. كانت الشلل تتشكل وتتحجر، والحقيقة أنها لم تكن تعبّر عن آراء بقدر ما كانت تردد شعارات وتدافع عن ولاءات اجتماعية وشخصية، خصوصاً عبر فايسبوك في الأشهر التالية لسقوط مبارك. رأيت من أداء هذه الشلل وسمعت من خطاباتها، ما أشعرني بالوحدة والغربة واللاجدوى أكثر بكثير من ذي قبل. ولعلني أخطأت في حدة النبرة التي عبرت بها عن نفسي أنا أيضاً. لكنني كنت أشعر بخذلان حقيقي وللمرة الأولى في حياتي، لم يكن الخذلان شعوراً شخصياً، بل كان شيئاً يحدث على مستوى القيم. القيم التي ظننت أنّ هناك من يشاركني الإيمان بها ثم رأيته يمتهنها ويتحايل عليها بل ويمزقها بيديه.
لا أعتبر أنّ لي حقا أصلاً لكي أقول إنّ أحداً غمطني حقي، لكن قبل الثورة كنت أشعر أني جزء من شيء ما وأن لي حلفاء في معركة الكتابة، والآن لم أعد أشعر بذلك.

■ هل سترفض التقدم لجائزة «بوكر» بـ «باولو» كما حدث مع «التماسيح»؟ ولماذا؟
لم يكن الرفض موقفاً ولا أريد أن أناقشه على اعتبار أنه موقف. ولا أريد أن أجيب بالنفي أو الإيجاب. كل ما في الأمر أنك تفعلين ما تستريحين لفعله ذات لحظة، كما تتعاملين مع من يريحك التعامل معهم أشخاصاً أكانوا أو مؤسسات أو جوائز. هذا كل ما في الأمر.
ماذا يعني أن نتخلص من «الاحتلال الإخواني» ثم نسجن الكتّاب بتهمة ازدراء الأديان أو خدش الحياء العام؟


■ قلت إنّ «باولو» مجاز عن إحباطك الشخصي في الثورة، لكنها تحليل سياسي لها بالمعنى العميق. حدثنا أكثر عن الأمر.
ليست تحليلاً سياسياً، هي فقط تتضمن وجهة نظر بطلها في الأحداث التي يتعرض لها السرد. خطأ كبير في تصوري أن يُقرأ عمل روائي كما لو كان مقال رأي، وإن كنت لا أملك على أحد أن أقول له كيف يقرأ نصاً أنا سلمته له بنشره. وصحيح أن «باولو» تتضمن رواية كاملة للثورة على أي حال. باولو هو شخص ونموذج أظنه بديهياً أن يكون منفصلاً عن كاتبه. ومقارنة بمصطفى الشوربجي في «الطغرى» أو الفتيس في «التماسيح»، لا أعتقد أنه يشبهني وإن تقاطعت آراؤنا السياسية. لكن باولو ربما يمثل وجهة نظر أيضاً، أو موقفاً. إنه الوجه الآخر المسكوت عنه للموقف «الثوري»، الجانب المنفي من حقيقته. فهو عنف وتناقض وشرّ الثورة، وهو الحقائق المجتمعية القبيحة التي تنكرها أو تتجاهلها الروايات السائدة للأحداث، التي تركز على الجوانب المثالية والبطولية، وتنظر إلى الاحتجاج كقيمة بحد ذاته بلا أي سؤال موضوعي عن نتائجه. باولو هو ذلك السؤال الموضوعي ليس فقط عن نتائج الاحتجاج، لكن عن مكوناته الفكرية والأخلاقية والاجتماعية بلا مكياج.

■ هل كان الربيع لصالح اليمين المتأسلم؟
لا أعرف لصالح من كان الربيع العربي. لكن ماذا يعني أن يُتهم شخص مسلم في بلد ذي أغلبية مسلمة بالإسلاموفوبيا مثلاً؟ هناك استيراد بالجملة وبلا وعي لخطابات وممارسات غربية لم يُبذل أي مجهود في استيعابها أو اختبارها. ومتى بالضبط أصبح الموقف الثوري التقدمي رأسمالياً وثيوقراطياً ومحكوماً بأموال وهابية؟ ومتى اقتصرت الحماية الحقوقية على من يسعون لشرعنة انتهاك الحقوق و… و… ثم ماذا يعني أن نتخلص من «الاحتلال الإخواني» حتى نسجن الكتّاب بتهمة ازدراء الأديان أو خدش الحياء العام؟

■ اعتبر المثقفون تصريحات وزير الثقافة حلمي النمنم المتعلقة بانغلاق المجال العام نفسه وانخفاض سقف حرية التعبير والإبداع في المجتمع في قضية حبس أحمد ناجي تراجعاً عن أفكاره التنويرية. في الوقت نفسه، هم يبدون تحفظهم على ما كتبه الروائي الشاب رغم استنكارهم حبسه بتهمة «خدش الحياء العام» (22/2/2016)، كيف ترى الأمر ومتى يكف المثقف عن ازدواجيته؟
ليس هناك أي تحفظ على ما كتبه أحمد ناجي، وليس هناك أي تعارض بين الإبداع والبذاءة كسجل من سجلات اللغة المعاشة، وجانب من الواقع أكثر وضوحاً وانتشاراً من ذي قبل. أنا لا أرى جدوى التنظير والحذلقة في تفسير شيء ليس مقبولاً ولا معقولاً أو في تبرير ما لا يبرر. يمكن أن أفهم منع أو مصادرة كتاب أو جريدة لأنها تتضمن ما يُغضب سلطة سياسية أو دينية في مجتمع مغلق لم يتجاوز مثل هذه المهاوي، ولكن أن يُسجن كاتب شاب وصحافي ذكي بهذه الطريقة، فهذا شيء كافكاوي ومفزع ويشجع على ركوب البحر في قوارب الموت بالتأكيد.
طبعاً هناك جانب من الصدق في القول إن الواقعة تعكس مدى انغلاق ومحافظة المجال العام. ما حدث لناجي لم يحدث تلقائياً، لا يمكن النظر إليه كأنه كارثة طبيعية أو حرص حيادي على تطبيق القانون. لكن المفارقة في هذا الكلام هو أن يكون قائله هو وزير الثقافة الواقف مكتوف اليدين ومعذب الضمير مثله مثل أي «مثقف» آخر أمام الواقع الرسمي لمجتمعه. لا أظن أنّ المشكلة هنا في ازدواجية المثقف بقدر ما هي في عزلته وقلة حيلته وسط مجتمع مستعد لقتله ديمقراطياً وعبر أحكام المحاكم. مجتمع مستعد للانتحار، ولا هو من المعقول عملياً أن نتوقع ممن يشغلون مناصب في الدولة أن يقدموا على تضحيات من قبيل الاستقالة من مناصبهم تضامناً مع أحمد ناجي.
ليس هناك أي تعارض بين الإبداع والبذاءة كسجل من سجلات اللغة المعاشة


■ هل فرضت الطبقة البرجوازية انحيازاتها على الأدب؟
نعم، أعتقد أن هناك طبقة فرضت انحيازاتها على الحياة الثقافية. طبقة الإنترنت ما بعد ١١ سبتمبر: هذه الطبقة هي التي قادت الاحتجاجات في ٢٠١١، وباركت صعود الإسلام السياسي للسلطة، ومارست التضليل الإعلامي إثر التدخل الثاني للجيش في 2013. في البداية، بدت السمات «البرجوازية» لهذه الطبقة شيئاً إيجابياً، فهي شابة وواعية ومتفتحة وواسعة الأفق وهي متطورة وعلمانية، عملية، تؤمن بالقيم الكونية وتحافظ على صلتها بالعالم المعاصر. إلا أن الربيع العربي - وكما كشف حدود المجتمع نفسه - أثبت أن هذه السمات لم تكن إلا قشرة تخفي ليس فقط ذوقاً ساقطاً وانحصاراً داخل قوالب جمالية ولغوية ميتة وإنما أيضاً «حنجورية» وطائفية وانبطاحاً لروايات غربية مغلوطة عن الواقع العربي. فكما أنّ تسعين في المئة من السينما المصرية، هي عبارة عن إعادة إنتاج ضعيفة وغير مقنعة لأفلام هوليوودية هي نفسها سيئة في الأصل، كذلك هناك تسعون في المئة من التحليل السياسي والنشاط الحقوقي والنظر إلى مفاهيم الهوية والحرية منقول وتافه ولا يصدق نفسه.

■ بماذا تفسر غياب حركة نقدية جادة مقارنة بالمنتج الأدبي؟
أعتقد أن النقد يحتاج إلى مؤسسات تعليم عال ومناخ تعددي واستعداد للحوار الصادق بعيداً عن المحرمات والمسلمات. وهذا كله غير متوافر.

■ لماذا ترفض الرأي القائل بأن ما يسمّى بالكتابات الخفيفة «الأعلى مبيعاً»، من شأنها أن تجذب الشباب للقراءة؟ وهل هناك تعارض بين أن يكون الأكثر مبيعاً وبين كتابة عميقة أو أدب كما ينبغي أن يكون عليه؟
لا أرفض أيّ رأي ولا أي بيع، فقط أحاول أن أكون واقعياً. أعتقد أن هناك صلة قوية بين القراء الذين تقصدينهم، وبين مشاهدي المسلسلات والبرامج التلفزيونية، فالكتب التي تباع بأعداد كبيرة عادة ما تكون أقرب إلى المادة التلفزيونية منها إلى الأدب… واعتياد مثل هذه الكتب لا يشجع على قراءة الروايات المعاصرة، بل قد ينفّر منها لأنه يكرس لأنماط وجماليات مختلفة عن أنماط وجماليات الأدب إلى حد التناقض ولأنه يريح القارئ من جهد تشغيل الدماغ. نظرياً ليس هناك ما يمنع أن تباع الكتابة الجيدة بأعداد ضخمة، المشكلة في انتشار الكتابة السيئة من دون غيرها لأنها تباع بأعداد ضخمة.