بافتتاح الدورة التاسعة من «مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي» (22 – 27 يوليو) في «مسرح عبد القادر علولة»، يثبت الحدث السينمائي الأبرز في الجزائر استقراره واستمراره في التخصّص. مكان الافتتاح تغيّر. المدّة تقلّصت إلى النصف قياساً بالدورات السابقة. محافظ (رئيس) المهرجان الشاعر إبراهيم صدّيقي لم يخفِ تأثّر المهرجان بسياسة التقشّف، التي طاولت المشهد الثقافي في بلاد الأمير عبد القادر. مع ذلك، أكّد أنّه يجري «في ظروف عادية». حديث وزير الثقافة عز الدين ميهوبي عن «مراجعة منظومة السينما الجزائرية»، وأهمية صالات السينما، و«إعادة تهيئة البنية التحتية» فائق الأهميّة. وجود مهرجان عربي متخصص بسينما المنطقة ضروري، مع برمجة بيّن صدّيقي أنّها «تعكس في أغلبها الواقع العربي والراهن. تتناول مواضيع تتعلق بالإنسان وما يعيشه حقاً، إضافةً إلى تلك التي تتكلم عن تطلعات الشباب والشعوب، ومواضيع أخرى». المدير الفني الجديد الإعلامي محمد علال، يمتلك طموحاً ينطلق من دعم السينما الجزائرية، وصولاً إلى الاحتفاء بشكسبير، مروراً بجديد العدسة العربيّة المفتوحة على هواجس الفرد واضطراب الساحات وهلع الحروب الأهليّة. وهران هي «الباهية» المسترخية على ساحل المتوسط. موسيقى الراي والأغاني الشعبيّة في كلّ مكان. صحيح أنّ مكانة ابن المدينة الأشهر «الشاب خالد» مقدّسة، إلا أنّ هناك أسماء فرضت نفسها من الأجيال اللاحقة، مثل «الشاب بلال» و«الشاب حسني». هنا، تفوح رائحة ألبير كامو (1913 – 1960)، إذ كتب «الطاعون» و«الغريب». صفية العمري وفاروق الفيشاوي وأيمن زيدان وآسر ياسين ويوسف الخال ونيكول سابا وغيرهم من ضيوف المهرجان، على موعد مع جبل «مرجاجو» الكاشف للمدينة، عبوراً إلى جانب قلعة وكنيسة «سانتا كروز». الرقص على أغاني «الفقيرات» وإيقاع «الطبابلة» في مولد «سيدي عبد القادر» تجربة لا تفوّت.

34 فيلماً من 14 دولة، تتنافس على الوهر (الأسد في المحكيّة الوهرانية) الذهبي في ثلاث مسابقات رسميّة: الأفلام الروائية الطويلة (12 فيلماً)، والأفلام الروائية القصيرة (12 فيلماً)، والأفلام الوثائقية (10 أفلام). خارج المنافسة، تُقام ثلاث تظاهرات. «عروض الهواء الطلق» (16 فيلماً) تقترح في معظمها مختارات من السينماتك الجزائري، مثل «مسخرة» (2008) لإلياس سالم، و«بلديون» (2006) و«خارجون عن القانون» (2010) لرشيد بوشارب، إضافةً إلى عناوين عربيّة مثل «أنا وأنت وأمّي وأبي» (2016) لعبد اللطيف عبد الحميد. في جديده، يدلي السينمائي السوري بشهادته عن الحرب المستعرة التي تعيشها بلاده. هي المرّة الأولى التي يخوض فيها عبد الحميد المستنقع مباشرةً، بعدما أنهى شريطه السابق «العاشق» (2012، تأخّر عرضه إلى عام 2015) بهتاف «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد». «بانوراما الفيلم القصير» تضمّ 8 أشرطة. «جسر إلى قسنطينة» تقدّم 3 أفلام أنتجت في إطار «قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015»، هي: «وسط الدار» لسيد علي مازيف، و«لالة زبيدة وناس» لسوسن معالج، و«البوغي» لعلي عيساوي. «وهران 2016» يحتفل بمرور 50 عاماً (موقع المهرجان يصرّ أنّها 60) على إنتاج تحفة الإيطالي جيلو بونتيكورفو «معركة الجزائر» (الأسد الذهبي في مهرجان البندقية 1966)، التي تسجّل كفاح الجزائريين ضدّ الاستعمار الفرنسي. يحيي الذكرى 40 لإنتاج كل من «عمر قتلاتو» لمرزاق علواش، و«عودة الابن الضال» ليوسف شاهين، الذي أسهمت الجزائر في إنتاجه، وشارك السيناريست الجزائري فاروق بلوفة في كتابة حواره إلى جانب صلاح جاهين وشاهين نفسه. وهران تكرّم أبناءها «حميد ومصطفى وحزيم»، ثلاثي السلسلة التلفزيونية الفكاهية «بلا حدود»، التي رسمت الابتسامة على وجوه الجزائريين أيام العشرية السوداء. كذلك، يوجّه المهرجان تحيةً لسينمائيين رحلا أخيراً: السوري نبيل المالح، والجزائري محمد سليم رياض.

الحرب السوريّة تحضر في «بانتظار الخريف» لجود سعيد، و«فانية وتتبدّد» لنجدة أنزور

السينمائي السوري محمد ملص يرأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. رشيد بوشارب يشارك بجديده الذي لم يلامس التوقعات «الطريق إلى إسطنبول» (92 د.). الأم البلجيكية تهلع لإقدام ابنتها على السفر إلى سوريا، فتقرّر اللحاق بها لإنقاذها من براثن التطرّف. لطفي بوشوشي حاضر بباكورته الروائية «البئر» (90 د.)، إذ يجد سكّان إحدى قرى الجنوب الجزائري أنفسهم محاصرين بجنود الاحتلال، فيقعون بين فكّي كمّاشة: العدوّ في الخارج، والعطش في الداخل. الشريط مرثية نضال محفورة بالوجع، ومنافس مدجّج بجوائز مسقط والإسكندرية ووجدة المغاربي. ريم الأعرج تكمل ثلاثية البلد المضيف بـ «الظل والقنديل» (82 د.). ابنة الروائي الشهير واسيني الأعرج توثّق إضراب الطلبة 19 أيار/ مايو 1956، وتضحيات النخبة الجزائرية المتعلّمة في مقاومة الاحتلال الفرنسي. الحرب السوريّة تحضر في «بانتظار الخريف» (113 د.) لجود سعيد، و«فانية وتتبدّد» (120 د.) لنجدة أنزور. في الأوّل، يُخطَف سينمائي من قبل جماعة متطرّفة، فيما تصرّ قرية حبيبته على الحياة. الثاني ردّ مباشر على إرهاب «داعش» وممارساته. من لبنان، يصل ميرجان بو شعيا بـ «فيلم كتير كبير» (107 د.). شريط محكم انطلق من «مهرجان تورونتو» وحاز ذهبية مراكش. مناخ عصاباتي متبّل بالطائفية والعنف وتوحّش الإعلام، يجيد التعبير عن عبثية الواقع اللبناني وتناقضاته. عمر شرقاوي أثار الكثير من الجدل بفيلمه المنهك للأعصاب «المدينة» (90 د.)، إثر عرضه الأول ضمن مسابقة «مهرجان دبي» الفائت. من دون حقن مورفين أو مبرّرات درامية أحياناً، يعرّي هذه المنطقة الملعونة من العالم. رؤية مظلمة قد لا تروق البعض، محمولة على تيمة «العودة إلى البيت». السينمائي يقيم ويعمل ويطوّر نفسه في الخارج، قبل أن يقرّر الالتفات إلى الجذور، وقراءة الأوطان والهويّة من منظور مختلف: لنعاين الأضرار على الأرض. شرقاوي يكتب ويمثّل ويقترح سينماتوغرافيا لافتة. مجهود هائل لا يعيبه سوى التشظّي والتفرّعات المبتورة في السيناريو. في باكورته الروائية «صمت الراعي» (104 د.)، يعتصر العراقي رعد مشتت الذاكرة المثقلة بمرارة النظام السابق، مستعيداً هول الإعدامات الجماعية والمقابر الصحراوية. الصغيرة «زهرة» تدفع ثمن الاستبداد الحكومي والعشائري، وصمت الشاهد الوحيد على ذلك. المصريّة هالة خليل تتلو بيان «الغلابة» عن ثورة 25 يناير من خلال «نوّارة» (122 د.)، التي تشهد التفاوت الطبقي المرعب بين حارتها المنسيّة و«كومباوند» الفيلا التي تخدم أصحابها. باستثناء حلم ساذج بالإفادة من استرداد أموال منهوبة في عهد النظام السابق، لم تأتِ الثورة بجديد إلى عالم «نوّارة» الزاخر بالشقاء. طرح لا يشبه ذاتية إبراهيم البطوط، بل إنّه أقرب إلى «فرش وغطا» (2013) لأحمد عبد الله، فيما يحاول «بعد الموقعة» (2012) ليسري نصر الله التوفيق بين التوجهين، ولو من منظور آخر. «نوّارة» منتشلة من واقعية روسيليني ودي سيكا وفيسكونتي الإيطالية، واستمرار لواقعية محمد خان وعاطف الطيّب وداود عبد السيّد وخيري بشارة، بألوان أخرى وصورة حديثة تبعث على التفاؤل، رغم ألم الطرح والنهاية المفتوحة. «صائد الجوائز» الإماراتي سعيد سالمين يرافق الفتى سلطان الذي يبحث عن جدّته في «ساير الجنة». فيلم طريق يحافظ على وصفة العوائق والمواقف الغريبة خلال الرحلة من أبو ظبي إلى الفجيرة. هناك شبكة لتهريب المتطرّفين إلى سوريا في «خسوف» (102 د.) لابن «المسرح الجديد» في تونس الفاضل الجزيري. أخيراً، يفتح المغربي سعيد خلاف ملف أطفال الشوارع في «مسافة ميل» (110 د.) بكلّ عسفه ووحشيته.
الجزائري رشيد بن علال يقود لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية القصيرة. المنافسة تنحصر بين مرشح الأوسكار الذكي «السلام عليك يا مريم» (14 د.) لباسل خليل، والمحكم «حار جاف صيفاً» (32 د.) لشريف البنداري، والكوميدي الحاذق «غصرة» (26 د.) لجميل النجار. أيضاً، يشارك فيلمان سوريان، هما: «روزنامة» (15 د.) لنادين تحسين بيك، و«تساقط» (9 د.) لعلي العقباني في الوجبة الوثائقية، يبرز «أبداً لم نكن أطفالاً» (99 د.) للمصري محمود سليمان، مع سجلّ جوائز دولية من دبي (أفضل فيلم غير روائي، وأفضل مخرج) والأقصر وتطوان وميلانو.