تشيلو مراد سونغو يشق بآهاته الحزينة ليل بيت الدين. يحاور لينا شاماميان، بفستانها الابيض، المتلألئ، الطالع من ألف ليلة. «فستان العروس» أربك حركتها في البداية، فشدّتنا إليها أكثر إذ استعدنا الاطلالات الاولى لمغنية سوريّة خجول أدهشتنا بنبرة صوتها وقوته قبل سنوات ليست بالبعيدة.

لينا التي نضجت، تقف أمامنا الآن في قصر المير بشير، بشعرها الأصهب «الفريزيه» العبي، وتؤدّي «آ كابيلا» (بلا مرافقة) «أورور/ شهرزاد»، وهي تنقر على آلة السانسولا في حضنها، تهويدة كان والدها يغنيها لها بالأرمنية كي تنام. نوع من «يلا تنام»، لكن طير الحمام لا يُذبح هنا، بل يطير إلى البلد المعذّب ليستعيد الزمن الضائع… ستهديها إلى أطفال سوريا كي يستعيدوا ذات يوم سعادتهم، ويناموا أخيراً تحت سماء وطن تغمره الطمأنينة («يا طير الحمام، طير وخود لحلب السلام»). أهدتها أيضاً إلى أطفال العالم، إلى أطفال فسلطين ولبنان، وكل الذين يفتقدون العدالة والسلام. قبلها، شربل روحانا الذي بدأ بـ «الحدو» («…ويا صواتنا غني الامل/ وانشالله بكرا فرحانين») قال أيضاً كلاماً عن الراهن النازف، وعن اللاجئين الذين يتساوون في البؤس مع اللبنانيين. بعد قليل، في الجزء الثالث من الأمسية، ستتكرر هذه اللحظات السحرية حين يحاور عود نصير شمّة بيانو ألكسندر غروغ، فيبعثان سيّد درويش «زوروني» في سياق مقطوعة «من الذاكرة»، يرصّعها المؤلّف وعازف العود العراقي بألحان تراثية قبل أن ينوّع عليها بمقطوعات من تأليفه.
كل ذلك كان ليلة السبت، في سهرة نادرة من سهرات «مهرجانات بيت الدين»، بعنوان «يا مال الشام». سهرة استثنائيّة ضمن ويك اند استثنائي في صيف لبنان ٢٠١٦، بدأ الجمعة في «بعلبك» مع كركلا «ع طريق الحرير» (لولا صعود أمين الجميل غير المبرر إلى المسرح في الختام، مغتصباً المشاهدين الذين لم يأتوا للقائه وسماع درره عن «المقاومة بالفن والثقافة»)، وانتهت أمس الأحد في «بيبلوس» مع الجوهرة السمراء غرايس جونز التي أدخلتنا في نوبة من الحنين إلى الثمانينيات. لقد ركّبت لنا لجنة «بيت الدين»، خلطة سحريّة، تحت عنوان احياء التراث الشرقي، على يد فنانين مكرسين من الجيل الجديد، من العراق وسوريا ولبنان، وعلى شكل تحيّة إلى الشام، جارتنا الجريح. تمحور البرنامج حول المؤلفين/ المؤدين الثلاثة: شربل روحانا (عود)، ونصير شمّة (عود)، ولينا شاماميان (غناء)، رافقتهم فرقتان موسيقيتان بقيادة المايسترا كاتيا مقدسي وورن: أوركسترا «أوكتيكو» الكنديّة، والأوركسترا اللبنانيّة الشرقيّة.
شربل روحانا الممعن في الفولكلور اللبناني، أخذنا إلى القرن الحادي عشر للقاء ابن حمديس الصقلي يغني لوعة الحب المقهور، وعاد بنا إلى قفشات أغنياته الواقعيّة النقدية، وأبرزها «بالعربي». لينا أدّت بعض أغنيات آخر ألبوماتها «غزل البنات» (2013)، بعضها من توزيعها وتلحينها، إلى جانب قصائد ماهر صبرا، وألحان غوكسيل بكتاغير. طبعاً من دون أن تهمل التراث (لو كان قلبي معي، لما بدا يتثنى)، بأداء خاص ونفس اوبرالي وبصوتها الحاد المطواع وقدراتها على التلوين، وتوزيع حميمي خاص. نصير شمّة، ابن المدرسة العراقيّة للعود، بدا مسيطراً على فنّه وتقنيته القويّة، أكثر من أي وقت مضى. مؤلفاته التي عزفتها الاوركسترا، مغمسة في جراح العراق (احدى المقطوعات مهداة إلى شهداء الكرادة)، عابقة بروح الشرق، تليق بأعظم الاوركسترات، وتفريداته على العود حنونة قاطعة. وفي القسم الأخير الذي كان ينتظره الجهور، تشارك الثلاثي في اداء أغنيات تراثيّة ـــ «من بلاد الشام» كما يقول البرنامج ـــ يا رايحين ع حلب، يا مال الشام، قدك المياس، فوق النخل… إنّها الذروة الشعبيّة للاحتفال!
إذا كان دور المهرجانات الكبرى أن تخاطر، أن تبادر، أن تلعب دوراً في انتاج عروض لبنانية وعربية خاصة بها، فلا يمكننا الا ان نرفع قبعتنا لـ «مهرجانات ببت الدين الدولية» على هذه الرحلة الشيقة التي دعتنا اليها في شعاب الذاكرة الموسيقية المشرقية، عبر أمسية «يا مال الشام». لقد جمع المهرجان الموسيقي اللبناني وعازف العود شربل روحانا، الموسيقي العراقي وعازف العود نصير شمّة، وأخيراً المغنية السورية الأرمنية لينا شاماميان التي بدأت في السنوات الأخيرة في التأليف والتوزيع. هذه الخلطة السحرية اعطتنا امسية ستبقى في الذاكرة طويلاً، أمسية من المتعة والحنين واعادة امتلاك الذاكرة والمجاهرة بالهوية الحضارية في لحظة الهمجية التي تحدق بالمنطقة... إضافة إلى البعد الفني ـــ الحضاري، لأمسية بيت الدين أيضاً بعد سياسي ـــ اخلاقي: التضامن مع سوريا الجريحة، من دون متاجرات رخيصة ومحاولات احتواء لصالح الخطاب المعولم الذي يتقيأ علينا «ربيعاً عربياً» مزيفاً أجوفَ كل صباح وكل مساء. تحية بيت الدين هي من القلب، الى شعب جريح مشرد، دفع ثمناً غالياً بسبب فجور «العالم الحر». وقد وجه التريو نصير شربل لينا تحية الى شعوبنا الجريحة، من فلسطين الى العراق. وتضامنوا مع اللاجئين بصفتهم اهلاً وأخوة، لا عبئاً وخطراً داهماً كما يحاول أن يشيع بعض تجار الخوف والتعصب في الطبقة السياسية اللبنانية.