لو كنتَ من أنصار نظرية المؤامرة، لوجدتَ بلا شك أن توقيت طرح فيلم «دولة جونز الحرّة» للأميركي غاري روس، غير بريء على الإطلاق. أو على الأقل، قد تقول إنّ مناخ التشظي الذي يحكم الداخل الأميركي، مهدداً بنشوب حرب أهلية بين ذوي البشرة البيضاء وأحفاد «العبيد» السود، يحتّم على المؤسسة الثقافية الأميركية البحث عن قصص من التاريخ الأميركي، تحكي التعايش بين مكونات المجتمع الأميركي المتناقضة. بالطبع، لن تجد المؤسسة أفضل من قصة الثائر المغوار نيوتن نايت، الذي قاد المتمردين على كونفدرالية الجنوب الأميركي، إلى تأسيس تجربة ثورية فريدة في دولة حرة، قصيرة العمر، قدمت نموذجاً نادراً في الأجواء الرأسمالية الأميركية للتعايش الاختياري بين شقي الفقر في شعب الإمبراطورية: الطبقة العاملة البيضاء و«العبيد» السود ومعهما كل الصعاليك والمهمشين والحالمين.

تلك هي إذاً نقطة انطلاق الفيلم، بغض النظر عن الدوافع الآنية، نبيلة وإيجابية دون شك. لكن المنتج النهائي جاء مغرقاً في خفته، فسقط في سذاجة إعادة تشكيل السرد لعناصر الحدث التاريخي بالأسلوب الهوليوودي التحريفي المعهود، وسقط أيضاً في اختبار كفاءة التركيبة الدرامية، فانتهى الفيلم ليكون أصغر من الحقيقة الشديدة السطوع، وأقل من الحدث العبقري المكثّف وفرصة تكاد تكون شبه ضائعة لتسويق أمل التعايش عبر الطبقة والعرق في لحظة ما قبل انشطار مجتمع أميركا المعاصر.
لنبدأ من نيوتن نايت. فلاح صغير من المسيسيبي استُدعي للخدمة في جيش الكونفدرالية الذي جمعته ولايات (دول) الجنوب الأميركي لمواجهة هيمنة مجموعة دول الشمال الأميركي التي كانت تحاول في منتصف القرن التاسع عشر تقويض أدوات قوة الجنوب من خلال استهداف منظومة استرقاق العبيد التي هي عماد اقتصاد الجنوب الزراعي حينها. هكذا غُلّف طموح الهيمنة بلبوس أخلاقي من خلال الدعوة إلى تحرير العبيد. طموح دُفع فيه ملايين البشر إلى موت بائس. نيوتن لم يجد معنى للحرب ولا للكونفدرالية ولا لنمط الإنتاج الزراعي القائم على استرقاق ذوي البشرة السوداء. هكذا فرّ إلى المستنقعات في منطقة جونز كاونتي كعشرات العبيد الهاربين من الخدمة العسكرية والصعاليك والمثقلين بالديون (أو بمشاكل الحب أو كليهما معاً). ما لبث نيوتن أن تحوّل بحكم شخصيته القيادية إلى زعيم لهم. كان هؤلاء مطاردين دوماً من جيش الكونفدرالية الجنوبي، وكثيراً ما خاضوا معه مناوشات عنيفة. اعتمدوا للمعيشة على ما يستولون عليه من الإمدادات العسكرية والسطو على مزارع الإقطاعيين البيض، وشاركوا سكان المنطقة الفقراء طعامهم ووفروا لهم نوعاً من الحماية من بطش الكونفدراليين العنصريين، فتعاظمت شعبيتهم. انتهوا إلى أن أعلنوا قيام جمهورية (اشتراكية) طوباوية فاضلة، أطلقوا عليها اسم «دولة جونز الحرّة»، ساوت بين مواطنيها البيض والسود في الحقوق والواجبات. في ظل هذه الجمهورية، تزوج نيوتن راشيل العبدة السوداء الآبقة، وأنجب منها عدداً كبيراً من الأولاد المختلطين. لكن نهاية الحرب لم تكن سعيدة للجمهورية. تم تفكيك مجتمع الدولة وتحطيمه بلا هوادة من خلال التشريعات والإجراءات الرسمية التي اعتمدتها الإمبراطورية المنتصرة. بعدما حققت هيمنتها المطلقة على جميع الولايات، صارت تفاوض وتتنازل لمصلحة مالكي الأراضي ذوي البشرة البيضاء، على حساب من ادعت أنّها تقاتل من أجل تحريرهم. انتهى نيوتن نفسه منعزلاً مع عائلته في مزرعة صغيرة، يسهر كل ليلة رغم سنواته الثمانين حاملاً بندقيته لمواجهة العنصريين البيض. المحزن أن حفيد نيوتن كاد أن يعاقب بحكم القانون في ولاية مسيسبي بعد 100 سنة تقريباً من غياب دولة جونز الحرة بتهمة الزواج بامرأة بيضاء لأن ربع دمه أسود وفق قانون الولاية البغيض ذلك الحين. مشهد اختاره المخرج روس لنهاية الفيلم، وإن كان الانتقال بكل القصة إلى القرن العشرين أتعب الصورة الدرامية للفيلم.
لعب دور نيوتن بأداء لا بأس به ماثيو ماك - كونهي الذي يشبه شكلاً نيوتن كما في بعض الصور القليلة التي وصلت عنه. لكنه لم يجد تقديم شخصية شديدة العمق، قوية الشكيمة، ملتهبة المشاعر كما كان نيوتن الحقيقي. جمعت العناصر الأساسية للحدث التاريخي الذي رافق نشوء دولة جونز الحرة واضمحلال، من أبحاث سالي جنكينز، وجون ستوفيرز التي صدرت في كتاب صار مرجعاً كلاسيكياً عن التجربة، وأساسياً لروس في صياغة السيناريو الخاص بالفيلم. كذلك فإنه تعاون مع المؤرخ الأميركي المعروف في الأوساط الهوليوودية اريك فونر، الذي كلّف تزويد روس بكل المعلومات التاريخية التي قد يحتاجها.

غُلّف طموح الهيمنة بلبوس أخلاقي من خلال الدعوة إلى تحرير «العبيد»
يقول روس إنّه من خلال هذا الفيلم، أراد تصحيح مفاهيم مغلوطة في الشارع الأميركي عن مرحلة ما سماه بعضهم بالحرب الأهلية الأميركية، ومنها فكرة أن قضية تحرير العبيد لم تكن المحور الأساسي للحرب (والحقيقة أنها كانت أهم أدوات الشمال لبسط هيمنته التامة على ولايات الجنوب)، وأن ولايات (دول) الجنوب كانت موحدة في الدفاع عن منظومة استرقاق العبيد (كان النظام الاقتصادي الأساسي لدول الجنوب معتمداً على العبيد وبالتالي فكل البناء الفوقي للمجتمع تمحور حوله)، وأن التعديل الـ 13 الذي قضى بتحرير العبيد حل مسألة العبودية في الولايات المتحدة نهائياً (قد جرى التراجع عن كثير من مفاعيله من خلال تشريعات لاحقة بعد انتصار الشمال النهائي) وأيضاً إن مرحلة إعادة الإعمار التي استهدفت دمج العبيد المحررين في المجتمع قد فشلت (هي بالطبع أُفشلت من قبل العناصر الفاشية وأصحاب المصالح في الجنوب).
تقول الناقدة إيلين جونز إنّه عندما تحاول تصحيح التاريخ من خلال الدراما، أنت لا تنتهي بالضرورة إلى عمل فني باهر أو حتى تسلية مشوقة. وهذا بالذات ما حصل مع روس الذي بنى شهرته على تقديم أفلام استهلاكية ضخمة مثلHunger Games. لقد أفاد روس من نيوتن نايت لتقديم عمل تجاري مربح بالتأكيد، لكن نيوتن نايت لم يستفد من روس إلا في تحريف قصته الهائلة خدمةً لسرد الإمبراطورية المنتصرة التي تريد أساطير مؤسّسة تبيعها لفقرائها قبل الانفجار. يقدَّم نيوتن في الفيلم مثلاً كأنه مسيح جديد يجمع حوارييه ليلقي عليهم مواعظه. لكنه في الحقيقة التاريخية كان رجلاً عادياً صادف أن قلبه حيّ، واستفزته الرأسمالية البشعة فقام يقاتلها بسلاحه. زوجته راشيل تقدَّم كأنها زوجة جميلة خانعة تحني رأسها لبعلها وتعتني بالأولاد، لكن الوثائق التاريخية تصفها بالمرأة الشجاعة، والصلبة، فكانت تشارك في الغارات ليلاً على مزارع الرأسماليين لسرقة الطعام من أجل سكان الجمهورية. وفي النهار تمارس دور طبيبة الحيّ فتصف للمرضى الأعشاب والأوراق الطبية. أيضاً يفهم من الفيلم أن نيوتن كان حليفاً للشمال المنتصر الذي كانت الحرب بمثابة بوابته لإحكام السيطرة على الجنوب وانطلاق أميركا/ الإمبراطورية التي هي أمامنا اليوم، لكن الحقيقة أن الشمال كان فقط مجرد حليف موضوعي لثوار دولة جونز في مواجهة جيش الكونفدرالية الجنوبي، ولا دعم يذكر وصل لهم.
إذا كنت تبحث عن القصة الحقيقية لتجربة دولة جونز الحرة، ننصحك بقراءة كتاب جنكينز، وستوفيرز. غير ذلك، تفضّل بمشاهدة ١٣٩ دقيقة من دراما أميركية من أيام حرب التأسيس، مسليّة لنهاية يوم عمل طويل: مشاهد تجرح القلب لصفوف الجنود الصغار تتلقى النيران بصدورها وجثث الشهداء تتساقط كمطر حزين. لكنها بتقديمها قصة الجمهورية - قصيرة العمر - للعموم الأميركي، ستعطيه بالتأكيد نوعاً من الأمل الكاذب بأن جذور الإمبراطورية تحمل في قلبها بذرة قيام مجتمع العدالة والمساواة، وهو خداعٌ - لو يعلمون - عظيم.

Free state of jones: صالات «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس» (01/285582)