تعاملت الصحف والقنوات الفضائية المصرية مع الحوادث التي نشبت على خلفيات طائفية أخيراً في مصر (الأخبار 25/7/2016)، بنوع من التعتيم والتجاهل، وصل حداً وصفه بعضهم بالـ «تواطؤ» مع نظام يحكم «شبه دولة».

كانت مصر قد شهدت، الأسبوع الماضي، حوادث عنف واشتباكات بين مواطنين مسلمين ومسيحيين، أبرزها نشب في قرية أبو يعقوب التابعة لمركز المنيا (تبعد 240 كم جنوب القاهرة) بعد انتشار شائعة بشأن تحويل منزل قيد الإنشاء إلى كنيسة، مما أسفر عن إضرام النيران في ثلاثة منازل وإحراقها، وإصابة عدد من المشتبكين. تعامل الإعلام الرسمي والخاص مع الأزمة بسياسة تحريرية اعتمدت على التعتيم على الأبعاد الطائفية للحادثة، اعتقاداً من المسؤولين بأن تلك المعالجات الصحافية تسهم في وأد الفتنة وإنهاء الصراع!
حادثة أبو يعقوب لم تكن الأولى في الفترة الأخيرة، إذ سبقتها وقائع أخرى، بدأت بحادث قرية «الكرم» في أبو قرقاص في المحافظة نفسها في أيار (مايو) الماضي. يومها، جرّد قرابة 300 شخص مسلم سيدة مسنة من ملابسها وحرقوا سبعة منازل، عقب ترويج شائعة بوجود علاقة عاطفية بين نجلها «المسيحي» وفتاة «مسلمة»، عُرفت بحادث سيدة الكرم. كذلك، شهدت قرية «كوم اللوفي» في المحافظة ذاتها الأحداث نفسها بسبب شائعات تحويل منزل إلى كنيسة، مما أدى إلى تجمهر المئات وحرق المنزل، لتشهد بعدها المنيا، المعروفة بعروس الصعيد، حادثاً في قرية «طهنا الجبل» أسفر عن مقتل قبطي وإصابة اثنين آخرين في مشاجرات عنيفة بين عائلتين مسلمة ومسيحية سببها مشادة كلامية بين الأطفال! أضف إلى ذلك اشتباكات في قرية «الجلاء» أسفرت عن إصابة تسعة أشخاص بعد رشق عدد من الصبية سيارة تقل طالبات مسيحيات بالحجارة، فيما تحولت مشاجرة بين سيدتين في قرية «إدمو» خلال غسل الأواني على ترعة بحر يوسف إلى «خناقة طائفية» انتهت بإصابة تسعة أشخاص.

اهتمام بأحداث ميونخ أكثر من المنيا

ومن المنيا إلى بني سويف (110 كم جنوب العاصمة)، انتقلت الاشتباكات إلى قرية «صفط الخرسا» التابعة لمركز الفشن، بعد شائعة تحويل أحد المنازل قيد البناء، إلى كنيسة، ليحرض أحد خطباء المساجد المصليّن على الاعتداء على الأهالي المسيحيين في مشهد «همجي» استخدم فيه الحجارة، وانتهى بتحطيم واجهات المنازل، وإلقاء القبض على 18 متورطاً وتحرير محضر ضد «قبطي» بتهمة البناء من دون ترخيص!
التعتيم الإعلامي لم يكن في تجاهل الأخبار بشكل تام، بل تمثّل في طريقة المعالجة. تعاملت الصحافة والإعلام المصري مع الأحداث في بدايتها بوصفها «مشاجرات جيرة» من دون أن تشير إلى البعد الطائفي. كما لم ترسل الصحف أي كاميرات لتصوير الحوادث في وقتها كما اعتادت مع حوادث التشاجر أو الانفجارات. وعلى غير عادتها، لم تنشر مواقع مقاطع الفيديو التي التقطت عبر هواتف الخليوي لمشاهد الاشتباكات الطائفية. المواقع التي تجري وراء «الترافيك»، تنازلت هذه المرة عن مكاسبها تحت ذريعة «الحس الوطني» وعدم النفخ في النار، بينما يعزو كثيرون من العاملين في الصحافة الموقف إلى تعليمات أمنية أو من جهات سيادية ملخصها «ما تكبروش الموضوع». أمر يؤكده التعليق المقتضب للرئيس عبد الفتاح السيسي على الأزمة بـ «أنّ هناك محاولات للوقيعة بين المصريين والجميع شركاء في وطن واحد»!
مع انتشار الفقر والطائفية في الصعيد، جاءت مانشيتات الصحف في واد آخر. احتلت مواضيع مثل امتحانات الثانوية العامة، وحركة المحافظين المرتقبة، وتدهور قيمة الجنيه، الصفحات الأولى لجرائد القاهرة. في المقابل، اعتذر الإعلامي أسامة منير عن عدم كتابة مقاله الأسبوعي في ملحق «النهارده إجازة» الصادر عن جريدة «أخبار اليوم» في عدد السبت الماضي، مكتفياً بعبارة «اعتذر عن عدم كتابة مقالي اعتراضاً على ما يحدث من انتهاكات في إمارة المنيا».
منذ اندلاع «ثورة يناير» 2011، تشهد مصر بشكل متزايد حوادث طائفية بدعوى بناء الكنائس، أو شائعات تحويل منازل المسيحيين إلى دور عبادة. وبدلاً من أن تقر الدولة قوانين مدنية تستند بالأساس إلى المواطنة، وتفعيل سلطة القانون، تلجأ إلى المجالس العرفية، و«الكلمة الحلوة». «المجالس العرفية» كانت الحلّ بالنسبة إلى القيادات التنفيذية والسياسية في المنيا، التي شهدت مساء السبت الماضي، جلسة إتمام التصالح بين المسلمين والأقباط على أنغام أغنية «تسلم الأيادي»، وبدت كلمات الحاضرين مكرورة من مواقف سابقة عن الوحدة الوطنية والمؤامرة الخارجية التي تستهدف «استقرار البلاد». وهنا تلقفت الصحف والقنوات الفضائية جلسة الصلح بوصفها حدثاً «وطنياً» مسلطة الضوء على قبلات وأحضان أطراف الخصومة!
ألمانيا أقرب من المنيا في نظر القائمين على الإعلام في مصر. مع ما شهدته مدينة ميونخ من حوادث إطلاق النار في مناطق متفرقة في المدينة مساء الجمعة الماضي، بثت قنوات CBC وONTV و«النهار» تصويراً مباشراً من المدينة الألمانية نقلاً عن قنوات إخبارية عدّة، بينما اهتمت برامج الـ «توك شو» في القنوات ذاتها باتهام من يعرفون بـ «أقباط المهجر» ببث الفتن، بخاصة تصريحات القمص مرقس عزيز الكاهن السابق للكنيسة المعلقة وراعي شؤون الأقباط في أميركا الذي وصف المسلمين بـ «المستعمرين». كل هذا من دون التفات الإعلام إلى أسباب انتشار الخطاب الأصولي بين مختلف الطوائف بدون استثناء، وتأثيره على قطاعات عريضة من الشعب.