هل هي من مفارقات القدر أم أنّها صدف أن يكون شهر تموز (يوليو) شهر رحيل العظماء؟ فيه رحل المخرج والسيناريست الكبير رأفت الميهي العام الماضي، وفي مثل هذا اليوم من عام 2008 رحل أيضاً الرائع يوسف شاهين. وفجر أمس، صعدت روح محمد خان (1942 ــ 2016) في «مستشفى الأندلس» في ضاحية المعادي في القاهرة، إثر أزمة قلبية مفاجئة داهمته في بمنزله.

رحل «خان السينما» فجأة، من دون مقدّمات، تاركاً وراءه صدمة كبيرة في الوسط السينمائي. يصعب أن يصدّق أحد حتى هذه اللحظة أن قلب خان توقف عن النبض. جميع محبيه وتلاميذه وعشّاق سينماه يعتقدون أنّه واحد من «مقالبه»، وأنّه قد يظهر فجأة ليمازح الكل بطريقته وضحكته المجلجلة المألوفة.
كل من مشوا في الجنازة إلى مقابر الأسرة في منطقة المعادي أمس، لم يصدقوا أنّه كان محمولاً في هذا النعش، بينما كان من الممكن أن ينتظروا إطلالته الصباحية الافتراضية على فايسبوك، ليحكي عن فيلم شاهده، أو يعلّق على مسلسل يتابعه بشغف، أو ينشر صورة لفطوره اليومي.
«خان هل حقاً رحلت، أم أنّك تصنع أحد مشاهدك؟». هذا هو لسان حال كل من حضر الجنازة، فيما المشاعر تتباين ما بين صدمة الرحيل، والحب، والحنين الجارف لسينما محمد خان التي مثّلت وجدان جيل كامل، بل أجيال متعاقبة في مصر والعالم العربي، والتي يُعاد اكتشافها يوماً بعد يوم.
يعد خان واحداً من أهم مخرجي الواقعية الجديدة. مثّل مع جيله من السينمائيين المصريين كخيري بشارة، وعاطف الطيّب، ودواد عبد السيد، وبشير الديك، ومدير التصوير سعيد شيمي، والمونتيرة نادية شكري، نواة أسست وأطلقت عدداً من أهم الأفلام بجهود ذاتية ورغبة خالصة للفن السينمائي. إنّها الإنتاجات التي صنعت دُرراً في التراث السينمائي المصري والعربي، برغم الوجع الذي ظل يحمله في قلبه لسنوات لحرمانه الجنسية المصرية التي لم يحصل عليها سوى منذ عامين فقط، مع العلم بأنّه مصري حتى النخاع، وتربى في أعرق أحياء المحروسة وأقدمها.
روى لنا ذات مرة كيف كان يجوب «حي الحسين» الأشهر والأقدم، حيث نشأ وتربى وسط أسرة كانت عاشقة لمصر؛ والده تاجر الشاي الباكستاني الذي أتى وافدًا إلى القاهرة حيث أحب مصرية وتزوّجها. سكن الأب القاهرة وأسكنها قلب ابنه محمد خان الذي ولد فى 26 تشرين الأول (أكتوبر) عام 1942. يحفظ خان القاهرة جيداً، وتحديداً وسط المدينة الذي يحفظه «شارع شارع» و«دكان دكان». يصف كيف كان يجوب الشوارع ليلًا مع رفيق عمره وصديقه الذي تربى معه سعيد شيمي، ويتحدّث بتدفق يحسد عليه عن أماكن السهر والأكل. لذلك، كان المكان حاضراً في سينماه، وهو ما برز في كل أفلامه تقريباً بدءاً من «ضربة شمس» (1978)، وصولاً إلى فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف» (2015). كل لقطة تحمل روح خان وتؤكد أنّ الأماكن تشبه من يسكنونها، وأنّ الشوارع تترك بصماتها على الوجوه. فهو واحد من المخرجين القليلين من أصحاب الأسلوب المميز. أسلوب لا ينبع من تكريس لنمط بعينه، بقدر ما تضفي روحه على الأفلام ذلك الملمح الذي لا تخطئه العين أو الروح.
ينطبق هذا أيضاً على محمد خان الإنسان الذي يمتلك حضوراً خاصاً ومميزاً، من الصعب أن تخطئ صوته أو طلته. هو ذلك الطفل العاشق للسينما الذي يفتش عنها في كل مكان. بعدما كان يدرس الهندسة المعمارية في لندن، ترك خان هذا الإختصاص من أجل السينما، ليلتحق بـ «مدرسة لندن لفنون السينما» (1963) في إنكلترا. في الوقت نفسه، عمل في أحد محلات الملابس المخصصة لبيع الـ «جينز» لأنّه بات مطالباً بتحمّل تكاليف معيشته ودراسته بعدما اختار طريقاً آخر غير الهندسة. منذ تلك اللحظة، أخلص خان للسينما ولم يقبل المواءمات الفنية أو التنازل عن مشاعره وأحاسيسه التي كانت تشحن أفلامه وتجعلها أقرب إلى المتلقي. في إخلاصه للفن السابع، ظهرت ملامح ثابتة عدّة لأعمال خان الذي يُعدّ أحد المخرجين الذين يقدّرون جيداً قيمة الممثل. كان يراهن دائماً على إخراج أفضل ما في الممثلين، لنُفاجأ بأنّ عادل إمام مع خان يحلّق في منطقة أخرى من الإبداع. الحالة نفسها بالنسبة إلى نجلاء فتحي، وميرفت أمين، أما سعاد حسني وأحمد زكي فهما حالة نادرة في سينما خان، وصولاً إلى نجمات الجيل الجديد، من بينهن غادة عادل في «في شقة مصر الجديدة» (2007)، وياسمين رئيس في «فتاة المصنع» (2013)، وآخرهن هنا شيحا في «قبل زحمة الصيف».
كل من زار خان في منزله، كان يصحبه إلى ما يُطلق عليه «الصومعة» التي تضم مكتبته الثمينة والمنوّعة لأفلام وكتب من مختلف بلدان العالم، وسينمات متعدّدة الاتجاهات. في آخر لقاء لنا معه داخل «صومعته»، كان خان يضع على منضدة صغيرة كتاب إبراهيم عبد المجيد الجديد «هنا القاهرة»، الذي يؤرخ ويحتفي بأماكن شهيرة في المدينة، الأمر الذي يتسق مع احتفاء خان أيضاً بالمكان في إبداعاته، وهو ما يمثل أيضاً نقلة في الصورة السينمائية عربياً.
أما أجمل ما قد يميّز سينما خان، فهو شخصياته الحيّة التي تشعر بأنّها تحمل جزءاً منك. مدفوعاً بشغف التجريب، أوغل محمد خان في أعماق شخصياته البسيطة والهامشية متخطياً الطرح النمطي والتقليدي لأبطال السينما المصرية. يضاف إلى ذلك إحساسه الراقي بالمرأة التي سجّلت حضوراً بارزاً في أفلامه طوال مشواره الفني الذي امتد لأكثر من 50 عاماً.

إحساس راقٍ بالمرأة، و«أميرة» و«منى» و«هند» و«كاميليا» شخصيات نسائية خالدة صاغها بروحه وبوعيه

كان يرى أنّ المرأة مظلومة، مؤكداً أن من يضع القوانين هو الرجل، ومن ينفذها هو الرجل أيضاً. لذلك، تظل المرأة مظلومة ومقهورة، حتى لو وصلت إلى أعلى المناصب كما قال مرّة: «يكفى أن هناك دولاً فى منطقتنا العربية لا تستطيع الفتاة أو المرأة فيها أن تقود دراجة، وحتى لو يبدو ذلك تفصيلاً «تافهاً»، لكنّه يعكس وضعاً اجتماعياً متردياً يعامل المرأة على أنّها مواطن درجة ثانية. أعتقد أنّ ما زاد الأمر سوءاً هو دخول الدين في السياسة، وهو ما أفسد الكثير في حياتنا. بالطبع، انعكس ذلك على كل الممارسات الاجتماعية». وأوضح خان أنّه «صحيح أنّنا لا نستطيع أن ننكر أن هناك ظرفاً عالمياً مليئاً بالتوترات العرقية والدينية، وبالتبعية تكون فيه المرأة هي الضحية الأولى». من هنا كان الحضور النسائي الطاغي في سينماه. وهكذا، يصبح خان واحداً من أهم المخرجين في السينما العربية الذين صاغوا بتفرد شخصياته النسائية وبطلاته اللواتي ينتمين إلى شرائح اجتماعية مختلفة ومتفاوتة. ترك لنا شخصيات نسائية لا تنسى، فالمرأة في سينماه فاعلة وقادرة وشخصية محورية تحرّك الأحداث مهما كان مدى القهر الذى تتعرّض له، أبرزهن: «نوال»، و«منى»، و«هند»، و«كاميليا»، و«أميرة». مرّت شخصية «نوال» بمراحل وتحوّلات متشعّبة جسّدتها سعاد حسني في فيلم «موعد على العشاء» (1981). هي المرأة المتزوجة برجل لا تحبّه، كما حال الكثيرات، تخشاه وتخاف منه طوال الوقت وتسعى إلى الطلاق وتنجح في ذلك. ينتابها شعور بالتحرّر من واقع حياتها الكابوسية مع «عزت» (حسين فهمي)، إذ تحاول أن تعيش المرحلة الجديدة من حياتها بروح متحرّرة، وتبدأ العمل في مكتب المحامي الذي ساعدها في قضية الطلاق. ينسج خان ومعه كاتب السيناريو تفاصيل تلك الحياة. برغم محاولات «نوال» الدؤوبة للشعور بالحرية حتى بعدما تعرفت على مصفف شعرها «شكري» (أحمد زكي) الذي عاشت معه معنى الحرية والتحرّر مؤقتا، إلا أن كابوسها المزعج عاد ليحاصر حياتها بعدما قتل طليقها حبيبها. «نوال» التي تلجأ إلى القتل للتخلص من خوفها، هي شخصية فريدة في تكوينها، مليئة بمشاعر مركّبة ومتناقضة وتوجد مثلها الكثيرات اللواتي تستسلم بعضهن لخوفهن ويتعايشن معه، بينما يقتل الخوف والعجز عن التحرر الداخلي بعضهن الآخر.
في «زوجة رجل مهم» (1987 ــ سيناريو وحوار: رؤوف توفيق)، جسّدت ميرفت أمين دور «منى»، الفتاة الرومانسية التى تبكي على أغاني عبد الحليم حافظ، بينما يركّز خان على نظراتها الحالمة أثناء فترة المراهقة. فجأة، تتزوج «منى» ضابطاً في أمن دولة، لا يقدّر المشاعر فيما يعيش على أهمية تلك السلطة المزعومة. تجد «منى» نفسها فريسة «هشام» الذي يعاملها كملكية خاصة يعزلها عن أهلها، وجيرانها. كل شيء في حياتها محدد وخاضع لوجهة نظره هو. يصطحبها كزوجة جميلة يقدّمها إلى رؤسائه وزوجاتهم، ولا يتردد في استغلالها للتجسس على زملائها من دون علمها، لكن ما لبثت أن تحوّلت «منى» من الفتاة الحالمة إلى الفتاة السلبية العاجزة عن تغيير الأوضاع من حولها. ومع كل محاولة للتحرّر، كانت تقع إلى أن تقرّر أن تخرج من تلك الدائرة من خلال القتل أيضاً، إذ يقتل «هشام» أباها ثم نفسه. أما «أميرة» (نجلاء فتحي) في فيلم «سوبر ماركت» (1990 ــ سيناريو وحوار: عاصم توفيق)، فكانت من الشخصيات التي عبّر فيها خان عن انهيار الطبقة الوسطى. وفي فيلم «أحلام هند وكامليا» (1988 ــ قصة وسيناريو: محمد خان، وحوار: مصطفى جمعة)، كنا أمام شخصيتين مختلفتين، حيث تمثل «كاميليا» المرأة المتمردة التي تريد التخلّص من سلطة الرجل، بينما تمثل «هند» المرأة القنوعة التى تريد الزواج في أقرب فرصة لتكون ربّة منزل. إلى أن تنتهي رحلة الشقاء التى سارتا فيها معاً بضياع أموالهما، لكنّهما وصلتا إلى جزء كبير من أحلامهما، وهو رؤية البحر! برغم تقديم خان بعد ذلك العديد من الشخصيات النسائية في أفلامه «في شقة مصر الجديدة» (2007)، و«بنات وسط البلد» (2005)، و«فتاة المصنع»، تظل «أميرة» و«منى» و«هند» و«كاميليا» شخصيات نسائية خالدة صاغها بروحه وبوعيه.