مع فجر أمس الثلاثاء، بدأ الخبر الكارثي بالتسرّب من داخل مستشفى الأندلس في المعادي بالقاهرة. قلب محمد خان (1942 ــ 2016) توقف عن الخفقان من دون مقدّمات. يا لها من فاجعة! الفجر الذي اعتاد صحبة خان في بداية يومه على مدى عقود، شهد غيابه الأخير. أحد أبرز مخرجي الواقعية الجديدة في السينما المصرية، بقي شابّاً نهماً للحياة والعمل طوال حياته. «أنا شاب في سن الـ 73». قالها ضاحكاً عندما التقيناه إثر العرض العالمي الأوّل لآخر أفلامه «قبل زحمة الصيف» (2015)، ضمن «مهرجان دبي السينمائي الدولي» الأخير. الأستاذ لا يفخر من فراغ. الأرقام تتكلّم عنه: 25 عنواناً خلال 36 عاماً، من دون ذكر الأفلام التي شارك فيها بصفات أخرى، كتدقيق السيناريو والتمثيل وتقديم المشورة لأصدقاء وتلاميذ وراغبين، فضلاً عن لمسته في الإعلان (فنّ اللحظة كما أطلق عليه) والفيديو كليب والفوازير، والمقالات البديعة التي لم يتوقف عن كتابتها في صحف عدّة.

تشبّع خان بعشق السينما منذ نشأته، سواء في القاهرة التي خبرها كراحة يده، أو في لندن التي انتقل إليها في مراهقته بسبب عمل والده. عاصمة الضباب في الستينيات، كانت متفجّرة بالفنون والآداب ومختلف تيارات السينما والمسرح والموسيقى والموضة. تعرّف إلى الموجة الفرنسية الجديدة ومثيلاتها في أوروبا. تفاعل مع هيتشكوك وفيلليني وغودار وتروفو وفيسكونتي والموجة التشيكية. صادف أنطونيوني في مكتبة، فلحق به وهو يركب السيّارة ليعبّر عن مدى إعجابه بأفلامه. «المغامرة» (1960) هو الشريط الذي «أكّد لي نهائياً رغبتي الجامحة في أن أصبح مخرجاً سينمائياً» يقول في أحد مقالاته. تلك الحقبة كانت «سلسلة من الاحتكاكات بالتاريخ الحديث»، عاصر في خلالها ولادة تيارات في مهدها، ليأتي إدراك معنى «المخرج» كقائد حقيقي للفيلم، وليس النجم أو المنتج. بعدها، جاء قرار دراسة السينما بدلاً من الهندسة المعمارية في «مدرسة لندن لتقنيات السينما»، التي أصبحت لاحقاً «مدرسة لندن الدولية للفيلم». كل ذلك، جعل من محمد خان دماغاً قادراً على إدارة صاحبه بنجاح. الذكاء النقدي رافقه إلى الأبد، وصنع منه سينمائي «اللحظة» المتجدّد و«الآن وهنا»، سواء في موضوعاته أو خياراته التقنية والإنتاجية. هو الذي تنبّه مبكراً إلى أهمية سينما الديجتال في «كليفتي» (2004)، وانتقل بنجاح من المنتج التقليدي (نور الشريف في باكورته الطويلة «ضربة شمس»، الذي صوّره عام 1978، وعُرضَ عام 1980) إلى التمويل المشترك بين سبع جهات وخمسة منتجين في فيلمه الأخير. أيضاً، جرّب تقنيات الغرافيك وحيل الكومبيوتر في الفوازير التي عمل عليها مع خيري بشارة. هذا دليل على ذكاء الرجل وحيويته وقدرته على مواكبة متغيّرات الصناعة. في كل الحالات، كان الهدف تمويل أفلام قد لا تغري المسيطرين على السوق المصرية. هي السينما «الأخرى» التي شغلت بال خان وجيل الثمانينيات، من أمثال داود عبد السيّد وعاطف الطيّب وخيري بشارة، إضافةً إلى كتّاب مثل بشير الديك وعاصم توفيق ورؤوف توفيق وفايز غالي، والسينماتوغرافيين سعيد شيمي وطارق التلمساني، والمونتير أحمد متولي وزميلته التي ولّفت معظم أفلام خان نادية شكري. هذه الأخيرة أقنعته بالعودة من لندن التي رجع إليها تأثّراً بهزيمة 1967، للعمل في مصر. سبق ذلك هروبه من العمل في قسم القراءة والسيناريو تحت إدارة صلاح أبو سيف، في «الشركة العامة للإنتاج السينمائي العربي»، إذ طار إلى بيروت ليعمل مساعداً لجمال فارس ويوسف معلوف وكوستانوف وفاروق عجرمة بين عامي 1964 و1966. آنذاك، احتكّ بالتقنيات والميدان العملي، رغم أنّ السينما التي ساعد في إنجازها كانت بعيدةً تماماً عمّا كان يطمح إليه.

تفاعل مع هيتشكوك وفيلليني وغودار وتروفو وفيسكونتي والموجة التشيكية

منذ الروائي القصير بالأبيض والأسود «البطيخة» (1972) و«ضربة شمس»، بدأ مشروع محمد خان، الذي تطوّر إلى نوع مستقلّ بذاته. «السينما الخانية» مصطلح سيجد طريقه إلى الوجود، استناداً إلى فيلموغرافيا مخيفة في فرادتها وأبعادها الفكرية والجمالية. أشرطة مغرقة في همّ الفرد وأحلام البسطاء. دراما من لحم ودم وعظام وأسفلت ودمعة وضحكة. كاميرا لا تفارق الشارع لتوثّق المدينة والريف، وتظهر التداخل العضوي والسايكولوجي بين المكان والزمان والفرد. قراءة فكرية لحقب وتبدّلات وشرائح. أكثر من ذلك، لا بدّ من تحقيق الربح من أجل الاستمرار. مَن هذا الغول السينمائي الذي صدم مشهد الثمانينيات بعناوين من طراز «موعد على العشاء» (1981)، و«خرج ولم يعد» (1984)، و«مشوار عمر» (1986)، و«أحلام هند وكاميليا» (1988)، و«زوجة رجل مهم» (1988)؟ مهلاً، لدينا أيضاً ثلاثية الفارس. بطل بنفس الاسم «فارس» والتاريخ والصفات، لعبه كل من أحمد زكي في «فارس على الطريق» (1981)، وعادل إمام في «الحرّيف» (1983)، ومحمود حميدة في «فارس المدينة» (1993). سواءٌ أكان سائقاً أم لاعب كرة قدم أم ثريّاً مفلساً، فإنّه حرّ، صاحب قيم خاصّة، وقضيّة يصارع الدنيا في سبيلها. «فارس» باحث عن الخلاص، وأحياناً سداد الدين، بأيّ ثمن، في عصر الانفتاح الساداتي، الذي تعمّق خان في تحليله ورصد انعكاساته على «أهل كايرو». في دراسته المهمّة «ملامح المشوار السينمائي عند المخرج محمد خان»، يرى الناقد المصري أحمد شوقي أنّ الفروسيّة أبرز قيمة تبنّاها خان في أفلامه. إنّها انعكاس لمشوار صاحبها. تتمثّل في «نوعية السينما التي اختارها، فهي سينما بعيدة عن الذوق الاعتيادي للمشاهد المصري، سينما لا تستخف به، ولا تداعب عقله بحبكة مباشرة، أو تدعم القيم الساذجة التي اعتادت الأفلام أن تدعمها. سينما كانت مهددة في كل لحظة من مشوار صانعها بالفشل، وبأن يكون الفيلم الذي يصنعه هو فيلمه الأخير، لكنّه تمكن من أن يستكمل المسيرة فيلماً بعد فيلم، متلاعباً بكل السبل الممكنة حتى لا يتنازل أو يقدم عملاً لا يؤمن به». في «فارس المدينة»، حلّق خان بجنونه إلى اللحاق بمصائر أبطال أفلامه السابقة، مختتماً المرحلة الأولى من مشروعه.
باستثناء «الغرقانة» (1993) و«قبل زحمة الصيف»، لم يغادر خان القاهرة، وإن بقي تأثيرها ملموساً في شخصيات الفيلم الثاني. حتى في شريطه المالديفي «يوسف وزينب» (1984)، الذي أنجزه بسبب صداقته القديمة مع رئيس جمهورية المالديف المحب للسينما، ثمّة حضور للعاصمة في بعض المشاهد. علاقة خان بالقاهرة كالعاشق بمحبوبته، حتى لو أنّ البطل «خرج ولم يعد». كاميراه تتحسّسها بِوَلَه ورقة. تبرز مفاتنها، كذلك تلطّف من زوايا القبح والبشاعة فيها. تربّت كتفها، وتشدّ من أزرها وقت الشدائد. الضرورة الدرامية لا تُضاهى. الفعل مضبوط مع قاع نفسي متبادل تأثّراً وتأثيراً. ارتباط الشخصية بحيّها وخريطة تنقّلها حتمي ومفصّل دون زيادة أو نقصان. مناطق «وسط البلد» (ضربة شمس – بنات وسط البلد 2005) و«مصر الجديدة» (أحلام هند وكاميليا – في شقة مصر الجديدة 2007) الأكثر حضوراً في الفيلموغرافيا.
لم يعلنها صراحةً، ولكن يمكن الجزم بأنّ «أحلام هند وكاميليا» أقرب أفلام خان إلى قلبه. كتب عن إنجاز حكاية الخادمتين (نجلاء فتحي وعايدة رياض) مقالات عدّة، مفصّلاً رحلته من الكتابة إلى الكاستنغ والأماكن والفنّيين. ذلك أنّه أقرب إلى «سينما الشخصية» التي يفضّلها على «سينما الرواية»، التي تتبع الحدث بالمعنى التشويقي المعتاد. لنأخذ المرأة مثالاً على تعامله مع شخوصه وفهمه لها. وسط كل القهر والقمع والمجتمع الأبوي، وجد محمد خان القوّة وروح القتال في المرأة المصريّة. لم ينتصر لها بالمعنى الحقوقي الشائع، بل بالموقف من الحياة كلّها. لم يغفل انكساراتها ووقوف أخريات في وجهها، بل احتمى بالطبيعة البشرية المركّبة التي لا تركن لطرح أحادي. تبنّى قضاياها وحقّها في الحب، برقّة التصوير وكنوز النظرات ورهافة الأذن (الاعتناء بشريط الصوت). تحوّلات «منى» (ميرفت أمين) في «زوجة رجل مهم»، والرقصة الأخّاذة لـ «هيام» (ياسمين رئيس) في «فتاة المصنع» (2013) مثالان جيّدان للتأمّل. في إدارة الممثّل، اعتاد إخراج أفضل ما في أبطاله. فُتن بعبقرية أحمد زكي، إذ كان أوّل من يقفز إلى ذهنه عند كل فيلم. تعاونا في ستة أفلام، رغم كلّ الاختلافات والمشاحنات التي وصلت إلى الإعلام. كتب عنه يوماً: «أنا وأحمد زكي يجمعنا برج واحد «العقرب»، فأنا من مواليد 26 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو من مواليد 18 نوفمبر (تشرين الثاني). جمعتنا زمالة وصداقة فنيّة ناشئة عن إيمان كل منّا بموهبة الآخر. وإن كنتُ قد قلتُ في مرّة إنّني لو كنتُ ممثلاً لأردتُ أن أكون مثل أحمد زكي، ردّ عليها بأنّه لو كان مخرجاً لأراد أن يكون مثلي». من الممثّلات، كانت سعاد حسني هي الأقرب إليه، كذلك أشاد بنجلاء فتحي، وكثيراً ما استعان بعايدة رياض.
دافع خان بشراسة عن النقد السينمائي العربي، وطالب به مراراً (الدعم الأدبي). أحبّ سامي السلاموني، وصادق محمد رضا وغيره، واقترب من جيل الشباب، مواظباً على قراءة كلّ جديد. رأى أنّ 50 في المئة من طاقة المخرج الإبداعية تُهدر قبل التصوير بحثاً عن التمويل، يليها 25 في المئة في أثناء التصوير لإقناع العاملين معه بالانصياع لرؤيته. بعد 75 في المئة «إقناع»، يبقى 25% «إبداع» لتحقيق رؤية الفيلم. رغم كلّ ذلك، لم يحصل محمد خان المولود لأب باكستاني وأمّ مصريّة ذات أصل إيطالي، على جنسية بلد الأهرامات حتى مطلع عام 2014، بقرار جمهوري صادر عن الرئيس المؤقت عدلي منصور. السينيفيلي الكبير أوصى بأن تأتي الأفلام إليه في حال عدم قدرته على الذهاب إليها. عندما سمع بمرض أحمد زكي، كتب له: «لا تمت. هناك أفلام ربّما تجمعنا بعد».