المقبرة السورية مفتوحة بدوام كامل. في يومٍ واحد (أمس)، رحل روائيان سوريان: محمد جاسم الحميدي، ثم لحق به بعد ساعات وديع اسمندر. الأول بعيداً عن مدينته المستباحة الرقة، والثاني في جبلة على الساحل السوري. بالنسبة إلى وديع اسمندر (1942-2016)، لم تكن الحياة وردية على الإطلاق. فقد قضى سنوات من شبابه في المعتقل، لكنه عاد إلى الكتابة بزخم بعد باكورته الروائية «اللبش» (1979) التي رصد خلالها حياة الصيادين ومكابداتهم في البحر، ثم أنجز ثلاث روايات لاحقة «دموع السقف الحجري»، و«سيرة رجل ما»، و«الخميس الحزين»، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان «الرأس» (2010). عمله في إذاعة دمشق قاده إلى كتابة أكثر من عمل درامي للإذاعة والتلفزيون. قبل أيام من رحيله، كتب على صفحته في الفايسبوك في مناسبة عيد ميلاده نصّاً مؤثراً يختزل سيرته: «أقول لمن عايدني في عيد ميلادي بأنني كتبت قصّة قصيرة في مجموعتي «الرأس» تحكي حكاية ميلادي، كان لدى أهلي طفل اسمه «وديع»، وتوفّي قبل ولادتي، لكنّ أهلي لم يشطبوا اسمه لدى دائرة النفوس. وبعده بثلاث سنوات، ولدت أنا، فأعطوني اسمه وتاريخ ميلاده. فأنا في الواقع لا اسم لي، ولا تاريخ ميلاد، ومع ذلك أشكر كل من عايدني. القصّة تحمل عنوان «رجل بلا اسم» وهي مهداة إلى أخي الذي مات وحمّلني أهلي اسمه في ما بعد». انخرط الكاتب الراحل في سجالات افتراضية ساخنة، عمّا تعيشه البلاد مستثمراً مخزونه الحكائي في توصيف الأحوال، ومما كتبه في هذا الشأن الحكاية الآتية: «التقى حمار وكلب وهرّ واستعرضوا أحلامهم فقال الحمار:
رصد في «اللبش» حياة الصيادين ومكابداتهم في البحر


- حلمي أن أصبح ملكاً في بلدٍ من بلدان هذه المنطقة.
وقال الكلب: وأنا حلمي أن أصبح وزيراً في حكومتك يا حضرة الحمار.
وظلّ الهرّ صامتاً فقالا له:
- لماذا لا تعبّر لنا عن حلمك؟
فقال الهرّ: أمنيتي أن أموت ولا أعيش في مملكة يحكمها الحمير والكلاب.
يبدو من قراءة الجغرافية الرّاهنة للمنطقة أن بعض الأحلام قد تحققّت وما يفعله بعض الملوك والأمراء خير دليل على ذلك».
يروي صديقه الفنان التشكيلي منصور إبراهيم في رثائه الواقعة التالية: «في الطريق إلى مصياف في أواخر ثمانينات القرن الماضي، كنت أقود سيارتي بصحبته، وكان ينصت إلى أشرطة العتابا الفريدة التي كان قد جمعها من حياة كاملة. وقبل أن تلوح لنا مصياف، صرخ بي بصوتٍ عال: قف على اليمين. فتح باب السيارة ورفع صوت المسجل إلى أقصى طاقته، وبدأ يدبك مثل زوربا إلى أن تصبب عرقاً. قال لي معلّقاً: في السجن كنا محرومين من الدبكة، ولو دبكنا كان ممكن يحبسونا مؤبد على أساس أننا مبسوطين».
وكان يقول: «الحياة متل حمار قبرصي ينبغي أن تمتطيها كي لا تمتطيك».
وداعاً وديع اسمندر أيها الأليف في حضوره وغيابه.