في محاولة خطف الشهرة التي تنالها بعض الأغاني الشعبية، تجرّب أناشيد دينية تقديم معادل على مقاسها تماماً! ومن هنا جاء اصطلاح «القد» ولغوياً يعني الشيء الذي يصنع على مقاس شيء آخر. وهي أصل مصطلح «القدود» التي عرفت في الأندلس، ثم وصلت إلى حمص وحلب. «سيبوني يا ناس» لسيد درويش، و«يا طيرة طيري يا حمامة» لأبي خليل القباني هي من أشهر القدود التي تنقسم إلى: قدود وموشحات وأناشيد دينية وأغنيات فولكلورية وشعبية وأخرى تركية وأعجمية. لكن في حلب، أخذ هذا النوع بعداً مختلفاً وعرفت المدينة كيف تحافظ عليه حتى أنها امتلكت ألقاباً عدة كنتيجة منطقية لهوسها بالغناء الأصيل. هكذا، خرّجت «عاصمة الطرب» أو «عاصمة الموسيقى» مئات المطربين العمالقة الذين جابوا بأصواتهم العالم وصنعوا الفرح.
ألهب محمد خيري جمهور مسرح «الأونيسكو» عام 2015


ضربة بحث سريعة تكشف عن تاريخ القدود في مدينة «أبي فراس الحمداني» التي بدأت قديماً على أيدي مجموعة كبيرة من المشايخ من بينهم عبد الغني النابلسي، وعيسى البيانوني، ويوسف القرنفلي، وأم محمد التلاوية. لاحقاً بحسب تلك المواقع البحثية الشهيرة، أضاف الحلبيون في نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، شيئاً جديداً إلى تراثهم الموسيقي الغني، تمثّل في أغنيات لاقت رواجاً واسعاً، ثم اجترحوا أساليب غناء عرفت من ضمن ألوان الغناء العربي مثل: القدود والموشحات الحلبية، والموال، والطقطوقة. هذه الأخيرة تطورت بعد ذلك على يد سيد درويش، وأحمد صبري، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، وداود حسني، وزكريا أحمد، لكنّ الشيخ الحلبي عمر البطش (1885-1950) ظلّ يعتبر أهم مَن لحن الموشحات. كان من منشدي «الزوايا الهلالية» في حلب، وأسهم في تطوير الموشحات الحلبية، وتتلمذ على يده مشاهير المطربين والملحنين والموسيقيين أمثال صبري مدلل، وعبد القادر حسّان، وبهجت حسان، وصبري الحريري، ومحمد خيري جليلاتي، وعبد الرحمن عطية وصباح فخري.
ذلك التاريخ العامر جعل من المدينة العريقة بمثابة معهد موسيقي مفتوح، خرّج العشرات من المغنين تباعاً، من بينهم شباب جابهتهم الحرب، فأفقدتهم فرصة بناء مجد فني في بلادهم، أو إحياء ليالي حلب التي استُبدل الطرب فيها بالبارود والنار والدم!
مصطفى هلال، وحازم شريف، ومحمد خيري (مطرب شاب حمل نفس اسم المطرب الحلبي القدير)، وإبراهيم فارس، ولؤي نصر، وياسر بطل، وإيهاب ياغي وآخرون، هم أبناء «عاصمة الشمال السوري» عبروا تباعاً إلى بيروت، ليس بشكل اعتيادي للبحث عن الشهرة والانطلاقة الفنية، التي قد تواكبها حالة إنتاجية وإعلامية أفضل مما هي عليه في سوريا، بل هرباً من نيران الحرب المندلعة في بلادهم. هكذا، راح مطربو حلب الشباب ينعشون ليالي لبنان، ويحلّ بعضهم ضيوفاً على البرامج المنوعة والقنوات المعروفة، ويجعلون الجمهور يتمايل بالمناديل على طريقة الرقص الشعبي الحلبي!
تعرّض مصطفى هلال للخطف خلال طريقه من حلب إلى بيروت حيث يحيي أماسيه

الشهرة الأوسع كانت من نصيب حازم شريف لدى مشاركته في برنامج «آراب آيدول » ونيله اللقب عام 2013. رغم أنّ المشاركين في برامج مماثلة يحصدون شهرة طائلة سرعان ما يخبو بريقها، إلا أنّ المغني السوري عرف كيف يحتفظ بنجوميّته. وصار الناس يتجمهرون حوله كلما دخل مكاناً عاماً. حاصرته مجموعة قوانين صارمة تفرضها mbc على مشترك برنامج المواهب الشهير لجهة عمله وتصريحاته وإطلالاته الإعلامية. مع ذلك، لم يترك شيئاً يحرمه من لحظات الفرح التي تجمعه بأبناء بلده، وزملائه المغنين الشباب. أنهى شريف عقده أخيراً مع شركة «بلاتينوم ريكوردز» التابعة لـ mbc واتفق مع شركة إنتاج جديدة، وظل وفياً للناس، فما إن يزداد الإلحاح عليه أثناء ارتياده الأماكن العامة حتى يلبّي الطلبات الكثيرة التي تتمنى عليه إسماع صوته للحضور. أطلق المغني الوسيم أكثر من أغنية خاصة، وأفاد من شهرة الدراما السورية عندما غنّى تتر مسلسل «بانتظار الياسمين» لأسامة كوكش وسمير حسين عام 2015. من جانبه، ابتعد تلميذ صباح فخري المغني الشاب محمد خيري عن بلده سنة عام 2013، وراح يجول مسارح لبنان، ويقدّم سلسلة من الحفلات التي توّجها النجاح. كذلك كانت حال لقاءاته التلفزيونية العديدة، حتى إنّه ألهب حماس مسرح قصر «الأونيسكو» عام 2015 في حفلة حملت عنوان «سهرة طرب من بيروت لـ... حلب». يومها، امتلأ المسرح عن بكرة أبيه، بحضوره وهو يشدو التراث الحلبي والأندلسي. لم يتمكّن حينها من إخفاء تأثره البالغ كلما جاء على ذكر مدينته المنكوبة. يجرّب خيري تجيير الاسم الأيقوني لصالحه، من دون أن يخرج من عباءة القدود والطرب الحلبي، إذ لم يجرب حتى الآن تقديم أغنيات خاصة، طالما أنه أمام بحر فني لا ينضب مهما نهل منه.
أما لؤي نصر، فقد تميز الشاب الحلبي بمساحات صوتية كبيرة، وقدرة ومرونة فائقتين على أداء مختلف الألوان الغنائية، إلى جانب براعته في عزف العود. كذلك، لم تنقصه الخبرة اللازمة لوضع ألحان أغنياته بنفسه. هكذا، تمكّن نصر بحضوره الغنائي اليومي في الأماكن العامة، من ترك بصمته عند الجمهور، وتكريس نفسه مطرباً يستحق الاهتمام لدى كل من يستمعه، بخاصة من نجوم الدراما السورية الذين يقصدون بحنين واضح جميع الأماكن التي يغني فيها. كل ذلك قبل أن يطلق أخيراً أغنيته الأولى «خلص الصبر مني» (لحّنها بنفسه بعدما كتب كلماتها أنس ندّاف)، التي سرعان ما صورها كفيديو كليب، بثّته بعض القنوات الفضائية. من خلال عمله هذا، جرّب الابتعاد عن اللون الحلبي، في محاولة ربما لركوب الموضة قدر الإمكان من دون الانحدار إلى المستوى الاستهلاكي التجاري، الذي يطغى على سوق الأغنية العربية. لكن حالما اشتهرت أغنيته التي أنتجها على حسابه ووضع كل مدّخراته لينجزها، حتى لاحقه الأمن العام اللبناني لينفّذ القانون بحذافيره على حظّه. هكذا، تتبعه في الأماكن التي يغني فيها كي يمنعه من مزاولة المهنة حتى ينهي إجراءات «الإقامة الفنية» التي يجب أن يمتلكها كل مغن سوري مقيم في لبنان، وهو ما اضطر فعله حتى يتمّكن من العودة إلى منصّات الأماكن العامة ليكسب رزقه.
ما ناله نصر لن يكون سوى نقطة عابرة في بحر المعاناة التي تعرّض لها مصطفى هلال بعدما صار «السميعة» يقصدون أحد مطاعم جونيه حيث كان يداوم على الغناء أسبوعياً، ويعود إلى مدينته حلب. لكن ذات يوم موحل، تعرّض للخطف على يد عصابة عندما كان يقطع الطريق الطويلة المحفوفة بالمخاطر من حلب إلى بيروت. لم تطلق العصابة سراحه إلا بعدما قبضت فدية كبيرة! الحادثة اللئيمة جعلته يتوقف عن القدوم إلى لبنان، رغم أنه من أبرع الأصوات السورية التي تغني القدود والموشحات، وقد أطرب حاضريه في حفلات كثيرة أبرزها حفلته الملفتة في «قصر الأونيسكو» عام 2014.
نشأ ياسر بطل في بيئة محافظة تعتبر الفن مهنة غير لائقة

بدوره، يحكي لنا المغني الشاب ياسر بطل عن بيئته المحافظة التي نشأ فيها وكانت تعتبر الفن مهنة غير لائقة. لم يعوّل على موهبته في بداية حياته رغم دراسته الموسيقى وتعلّمه الطرب في معاهد مدينته حلب، بل لحق كار عائلته وأسس لنفسه مصنع ألبسة، وأفرد معظم وقته لتجارته الرابحة التي تعلّم أصولها وأتقن أسرارها منذ صغره. مع اشتعال الحرائق في «عاصمة الشمال»، تعرّض لسطو مسلّح دفع ثمنه سيارته ونجا بحياته! بعد ذلك، لحق الدمار معمله ومستودعاته، فكان من أكثر المتضررين من الحرب. حينها، قصد بيروت وبدأ رحلته الفنية عندما تعاقد مع شركة إنتاج أطلقت له أغنية «يا محلا طلّتها» من دون أن تجد الصدى المطلوب. كذلك، لم تلتزم الشركة ببنود عقدها معه، فلم يكن أمامه سوى دفع مبلغ كبير من المال حتى يفلت من هذا المأزق ويفسخ العقد، وينطلق من جديد. غنى بشكل يومي في أحد محلّات شارع الحمراء البيروتي، وصار الناس يقصدون المكان لسماعه، إلى أن أطلّ بعمله الفني الثاني بعنوان «كيف صار» (كلمات أنس ندّاف، وألحان لؤي نصر). بعدها، قدّم أغنية «يا أمي» (كلمات وألحان صلاح بلّول) ليحاكي من خلالها تفاصيل ابتعاده عن عائلته ووالدته، ويختصر جزئية هامة من الجرح السوري النازف.
أخيراً، يستعد إبراهيم فارس لإنجاز أغنية جديدة بعدما تركت حفلته في «مسرح المدينة» قبل أشهر صدى كبيراً. في حديثه معنا، يقول فارس إنّه انتقل من سوريا ابتعاداً عن الحرب، لكنه وجد في لبنان بلداً ثانياً قدّم له بداية طريق موفقة. خلال تواجده هنا، رفض كل العروض التي قدّمت له للمشاركة في برامج المواهب، لأنه كان يلاحظ انطفاء الشهرة السريعة لهؤلاء في وقت قياسي! ولكي يتمكّن من تلبية مطالب الحياة المرهقة في لبنان، وإنتاج أعماله بمفرده كل فترة من دون انتظار شركات الإنتاج التي تلهث وراء الحالة التجارية المبتذلة، اختار العمل بشكل يومي في أحد المطاعم مكوناً رصيداً جيداً من المستمعين. يعتبر فارس أنّه صنع نفسه بنفسه، ولم تمد له يد العون إلا بشكل محدود، وبعدما بدأت نجاحاته تظهر تباعاً. لا ينكر المغني الشاب أنه حظي باهتمام إعلامي واسع في لبنان، وأجرى عدداً كبيراً من اللقاءات التي أسهمت في اتساع شبكة علاقاته. لكنه لا يكمل جملة واحدة من دون أن يردفها بأمنية أن تعود سوريا مشعّة على العالم، حتى يرجع ويكمل مشواره في بلده. «فهناك فقط أحقق كلّ ما أصبو إليه».




بين الفن والتجارة

جرّب أكثر من مقهى ومطعم في لبنان الإفادة من الطرب الحلبي بذريعة الجرح المفتوح في «عاصمة الطرب». وصل الأمر إلى ذروته منذ فترة عندما اندلعت موضة الأغاني الموسمية المناصرة للمدينة العريقة بالتوازي مع ارتفاع وتيرة الحرب هناك. كذلك، يخصّص أحد المطاعم السورية في بيروت جزءاً من نشاطه لإحياء اسم حلب والاحتفاء الدوري بها، بدءاً من استعمال اسمها في الحملة الترويجية له، مروراً بإبراز الفولكلور الحلبي على مستوى شكل المكان، وصولاً إلى تخصيصه مبلغاً لدعم مطربي القدود الحلبية الشباب وتحمّل جزء من الرعاية التجارية لحفلاتهم. إلى جانب ذلك، يقدم هذا المطعم عزفاً يومياً على العود إلى جانب احتضانه أمسية حلبية طربية مساء كل ثلاثاء. من جهة ثانية، تحوّلت جدران المطعم إلى معرض صور أرشيفية دائمة لنجوم الطرب الحلبي ممن مروا على المطعم أبرزهم صباح فخري، إضافة إلى كوكبة من نجوم الدراما السورية وبعض الوجوه اللبنانية المعروفة، كنوع من الإشارة إلى اهتمام المطعم بالفن وإتكائه عليه حتى في نشاطه التجاري.